في خضم تعقيدات المشهد الفلسطيني وتداعيات الحرب المدمرة على قطاع غزة، عادت القضية الفلسطينية إلى واجهة التفاعلات الدولية، لكن هذه المرة عبر بوابة غير مألوفة: تقارير إعلامية تتحدث عن احتمال إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اعتراف مشروط بدولة فلسطينية، في خطوة فاجأت حتى أقرب المتابعين لمسار الإدارة الجمهورية الحالية.
الخبر جاء أولا عبر صحيفة جيروزاليم بوست، نقلاً عن مصدر دبلوماسي خليجي، وتحدث عن استعداد ترامب لإصدار إعلان رسمي خلال زيارته للمنطقة، يقرّ فيه بوجود دولة فلسطينية “منزوعة السلاح” وبقيادة لا تشمل حركة حماس.
وبحسب المصدر ذاته، فإن الإعلان يأتي في إطار تفاهمات غير معلنة مع بعض العواصم الخليجية، على رأسها الرياض، وقد يكون بمثابة المقابل السياسي لتوسيع دائرة التطبيع مع إسرائيل.
لكن ما إن انتشر الخبر حتى سارع السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، إلى نفيه بشكل صارم، واصفاً إيّاه بـ”الهراء المطلق”. ورغم هذا النفي، إلا أن التوقيت، والصمت الانتقائي من البيت الأبيض، يفتحان الباب أمام فرضية “جسّ النبض” الإقليمي، وهي تقنية دبلوماسية تعتمدها واشنطن مراراً لاختبار مواقف الحلفاء قبل اتخاذ قرارات جوهرية.
واللافت أن هذا “الاعتراف المشروط” — إن تأكد — لا يأتي كنتيجة طبيعية لمسار تفاوضي فلسطيني-إسرائيلي، بل كجزء من إعادة ترتيب إقليمي تقوده واشنطن، حيث يجري التعامل مع فلسطين كملف قابل للتدوير، لا كقضية تحرر وطني مرتبطة بقرارات دولية وحقوق تاريخية.
ويرى محللون أن إدارة ترامب الثانية تسعى إلى إعادة تثبيت نفوذها في الشرق الأوسط بعد سنوات من التوازن الهش الذي خلفته الإدارة الديمقراطية، وذلك من خلال إحياء أدوات القوة الصلبة والدبلوماسية الهجومية التي ميزت ولايته الأولى.
ويعتبر البعض أن العودة إلى ملف “الدولة الفلسطينية”، لكن بشروط أميركية–إسرائيلية خالصة، ليس سوى محاولة لتجميل صورة واشنطن بعد دعمها غير المشروط للحرب على غزة، خصوصا في المحافل الدولية حيث تتعرض الولايات المتحدة لانتقادات متزايدة.
وما يعزز فرضية المناورة أن مضمون “الدولة” المقترحة لا يرتقي إلى المعايير السيادية المعروفة: فهي، وفق ما تردد، ستكون منزوعة السلاح، تحت رقابة أمنية متعددة الجنسيات، وبعيدة عن القدس، دون الحديث عن عودة اللاجئين أو تفكيك المستوطنات. وهي شروط سبق أن رفضتها القيادة الفلسطينية منذ أوسلو، ووصفتها شخصيات بارزة بأنها إعادة إنتاج لسلطة إدارية موسعة لا أكثر.
من جهة أخرى، يرى مراقبون أن إدارة ترامب قد تلجأ إلى هذا الإعلان كـ”مكافأة رمزية” للقيادة السعودية، التي اشترطت – في أكثر من مناسبة – تحقيق تقدم ملموس في ملف فلسطين، كشرط لفتح قنوات تطبيع مباشرة مع تل أبيب. وهنا، يتحول الاعتراف إلى ورقة تفاوضية أكثر من كونه موقفاً مبدئياً من حق الشعوب في تقرير مصيرها.
أما داخل الساحة الفلسطينية، فقد قوبلت هذه الأنباء بقدر عالٍ من التوجس، خصوصاً من جانب الفصائل التي ترى في هذا النوع من الاعترافات “انتقائية سياسية” تسعى إلى تقسيم التمثيلية الفلسطينية، وفصل قطاع غزة عن الضفة، وربما تكريس مشروع “الكانتونات المعزولة” بدل الدولة الواحدة المتكاملة.
ويحذر عدد من المحللين من أن الإقدام على خطوة كهذه خارج أي توافق فلسطيني داخلي، ودون العودة إلى قرارات الشرعية الدولية، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي، وإضعاف الموقف العربي الجماعي، خاصة أن بعض العواصم بدأت تُظهر ليونة لافتة في التعامل مع ما يُعرض من واشنطن، تحت ضغط الأوضاع الإقليمية والرهانات الجيوسياسية الجديدة.
وتأتي هذه التطورات بينما يعيش قطاع غزة حالة إنسانية مأساوية، خلفتها حرب إسرائيلية خلّفت أكثر من 54 ألف قتيل ودماراً شاملاً في البنية التحتية، وسط تحذيرات منظمات دولية من مجاعة محتملة وأزمة نزوح غير مسبوقة. وفي هذا السياق، تصبح كل مبادرة سياسية – حتى لو كانت غير ناضجة – محط ترقب شعبي، لكنها في الوقت ذاته تثير القلق من تسويق حلول سطحية تتجاوز جوهر القضية.
وفي ظل هذا الواقع المعقد، يظل السؤال مفتوحاً: هل يملك ترامب، في ولايته الثانية، الإرادة السياسية لتجاوز سقف الضغط الإسرائيلي، والإقرار فعلاً بدولة فلسطينية قابلة للحياة؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه حلقة جديدة في سلسلة المناورات الدبلوماسية التي تسعى من خلالها واشنطن إلى إعادة فرض شروطها على المنطقة، دون الالتزام الحقيقي بأي تسوية عادلة؟
الجواب قد تحمله الأسابيع المقبلة، لكنه، في جميع الأحوال، سيكون محكوماً بتفاعلات ثلاثية: صمود الموقف الفلسطيني، حدود التنازل العربي، واستعداد إدارة ترامب لتحدي المنظومة التي صنعتها بنفسها.


