لم يعد عيد الأضحى في مدن إسبانية كثيرة يبدأ من خروف حي يدخل إلى بيت العائلة، بل من مجزرة مرخصة أو واجهة مبردة في محل جزارة “حلال”، بعدما أعادت قواعد الرفق بالحيوان والسلامة الغذائية في الاتحاد الأوروبي تشكيل واحدة من أبرز الشعائر الدينية لدى الجاليات المسلمة.
وتستعد الجالية المسلمة في الجزيرة الخضراء، جنوب إسبانيا، لإحياء عيد الأضحى الأربعاء 27 ماي 2026، وفق الموعد الذي أوردته اللجنة الإسلامية في إسبانيا بعد التحقق من المعطيات الفلكية المرتبطة بهلال ذي الحجة.
وفي هذه المدينة الأندلسية، التي تضم أكثر من عشرة آلاف مسلم، صار التحول ظاهرا في الشارع كما في السوق.
فقد تراجعت مشاهد الخرفان الحية في الأزقة والشاحنات الصغيرة، واختفت تدريجيا ممارسات الذبح داخل الأسطح والباحات العائلية، بعدما باتت مخالفة صريحة للقواعد الصحية والبيطرية المعمول بها.
ولا يتعلق الأمر بتحول ثقافي فقط، بل بانتقال كامل لشعيرة النحر من المجال العائلي المفتوح إلى سلسلة مراقبة مؤسساتية تبدأ من الحيوان المرقم، وتمر عبر المجزرة، وتنتهي في محل مرخص أو منتج معروض في واجهة مبردة.
ويؤطر هذا التحول، على مستوى الاتحاد الأوروبي، التنظيم رقم 1099 لسنة 2009 المتعلق بحماية الحيوانات عند القتل، والذي يقر قاعدة الصعق قبل الذبح، مع استثناء خاص بالطرق التي تفرضها الطقوس الدينية، شريطة تنفيذها داخل مجازر معتمدة.
كما تنظم قواعد النظافة الأوروبية، خاصة التنظيم رقم 853 لسنة 2004، شروط التعامل مع الأغذية ذات الأصل الحيواني داخل السلسلة المهنية.
ودفعت هذه الضوابط الأسر المسلمة إلى إعادة ترتيب عاداتها. فبدل شراء الأضحية حية ونحرها في البيت، تتجه عائلات كثيرة نحو محلات الجزارة لاقتناء لحوم مذبوحة وفق الطقوس الإسلامية، ومجهزة في شكل أكتاف وأضلاع وقطع شواء و”بروشيتات” جاهزة للطبخ.
وتتركز الحركة التجارية في الجزيرة الخضراء، عشية العيد، في أحياء مثل لا بينيرا والسالاديو، ومحيط سوق إنخينيرو توروخا سانشيث أركاس، حيث تحولت محلات “الحلال” إلى نقطة العبور الأساسية نحو مائدة العيد.
وتشير تقارير. اسبانية، إلى نموذج جزارة “الحمراء”، التي أسسها عبد المؤمن بداوي سنة 1997، بوصفها شاهدا على انتقال التجارة الحلال من محلات بسيطة إلى فضاءات حديثة مجهزة بواجهات مبردة ومنتجات معدة مسبقا.
ولا يلغي هذا التحول البعد الاجتماعي للمناسبة. فالأسواق نفسها تعرف انتعاشا في بيع التوابل، والتمور، والحلويات المغربية، والخبز التقليدي. لكن مركز الثقل تغير: لم تعد الأضحية الحية داخل البيت هي المشهد الأبرز، بل سلسلة شراء منظمة تستجيب لقواعد الصحة، والتبريد، والوسم، والمراقبة البيطرية.
ويأتي هذا التطور ضمن سياق ديمغرافي أوسع. فقد قدر مرصد ديمغرافي تابع لـCEU CEFAS عدد المسلمين في إسبانيا مطلع 2025 بما بين 2,4 و2,5 مليون شخص، أي نحو خمسة في المائة من السكان.
ويشير المصدر نفسه إلى أن نحو 65 في المائة من مجموع هذه الساكنة ذات أصل مغربي، مع حضور متزايد لأجيال ولدت ونشأت داخل المجتمع الإسباني.
وهكذا، لم تعد شعيرة عيد الأضحى في إسبانيا مسألة تخص مهاجرين أوائل يحاولون إعادة إنتاج طقس قادم من بلدانهم الأصلية، بل مناسبة دينية واجتماعية تمارسها أجيال متعددة داخل بيئة قانونية أوروبية دقيقة.
وتبقى الصلاة، والزيارات العائلية، وتقاسم اللحوم، ومساعدة المحتاجين، عناصر ثابتة في المناسبة. غير أن مسار الأضحية تغير بعمق.
فقد خرج من فضاء البيت إلى منظومة تتبع ومراقبة، حيث لا تكفي النية الدينية وحدها، بل يجب أن تمر الشعيرة عبر مجزرة مرخصة، وإشراف بيطري، وسلسلة غذائية قابلة للمراقبة من الحيوان إلى المستهلك.


