دخل القطاع السياحي المغربي مرحلة جديدة تعتمد على منصة رقمية لربط المستثمرين بمشاريع جاهزة للتنفيذ، في إطار استراتيجية تهدف إلى توسيع الاستثمار السياحي خارج المدن الكبرى وتحقيق أهداف طموحة بحلول 2030.
وأعلنت وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني أن “بنك المشاريع السياحية” تجاوز عتبة 900 مشروع موزع على 60 إقليما عبر المملكة، بعدما انطلق بـ200 مشروع فقط.
ويمثل هذا التطور قفزة نوعية في حجم العرض الاستثماري المتاح، إذ تضاعف عدد المشاريع أكثر من أربع مرات منذ إطلاق المنصة، ما يعكس جهدا مؤسساتيا لتوسيع قاعدة الفرص وتغطية مناطق ظلت تاريخيا خارج الدوائر السياحية التقليدية.
وتتيح هذه المنصة الرقمية لرواد الأعمال الولوج إلى عروض استثمارية تبدأ من 150 ألف درهم (حوالي 15 ألف دولار)، مرفقة ببطاقات تقنية تشمل كلفة المشروع والعائدات المحتملة وعدد مناصب الشغل.
وتعتمد المنصة نموذج “المشروع الجاهز للتنفيذ”، حيث لا يُترك المستثمر أمام فكرة عامة أو فرصة مبهمة، بل أمام دراسة متكاملة تتضمن التكاليف التقديرية ومعدلات العائد المتوقعة والجدوى الاقتصادية.
ويهدف هذا النهج إلى تقليص مخاطر الاستثمار وتسريع اتخاذ القرار، خاصة بالنسبة للمستثمرين الصغار والمتوسطين الذين قد تشكل دراسات الجدوى عبئا ماليا أوليا عليهم.
كما أن تحديد عتبة دنيا بـ150 ألف درهم يفتح الباب أمام شريحة واسعة من رواد الأعمال الشباب والمستثمرين المحليين، في محاولة لدمقرطة الولوج إلى القطاع السياحي الذي كان يُنظر إليه تقليديا كقطاع يتطلب استثمارات ضخمة.
وشمل التحديث الأخير أقاليم جديدة مثل تنغير وفكيك وطاطا وزاكورة وصفرو وطانطان وبركان، في خطوة تعكس توجها حكوميا نحو تثمين المؤهلات المحلية بعيدا عن المراكز التقليدية مثل مراكش وأكادير.
ويكتسي هذا التوسع أهمية استراتيجية، إذ تتميز هذه الأقاليم بمقومات سياحية متنوعة لم تُستثمر بشكل كاف: الواحات والمسارات الصحراوية في تنغير وزاكورة، الإرث الثقافي الأمازيغي في صفرو، والموقع الجغرافي الحدودي في فكيك وبركان.
وتراهن السلطات على أن نشر المشاريع في هذه المناطق سيخلق دورات اقتصادية محلية، ويحد من الهجرة نحو المدن الكبرى، ويساهم في إعادة توزيع الثروة السياحية على مستوى ترابي أوسع.
وقالت وزيرة السياحة فاطمة الزهراء عمور إن “جميع الآليات متاحة لتشجيع الاستثمار في القطاع: مشاريع جاهزة، مواكبة تقنية، ودعم مالي مناسب”، مضيفة أن الهدف “توفير فرص حقيقية للشباب في جميع جهات المملكة”.
ويندرج هذا التصريح ضمن رؤية حكومية تربط بين تطوير القطاع السياحي وخلق فرص الشغل للشباب، في بلد يعاني من معدلات بطالة مرتفعة نسبيا في صفوف هذه الفئة.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن القطاع السياحي يمكن أن يلعب دورا محوريا في امتصاص جزء من هذه البطالة، خاصة في المناطق النائية حيث تبقى فرص الشغل محدودة.
ولا تقتصر المنصة على عرض المشاريع، بل تُدمج ضمن منظومة أوسع تشمل المواكبة التقنية عبر الوكالة المغربية لتنمية السياحة، والدعم المالي من خلال صندوق محمد السادس للاستثمار والمراكز الجهوية، إضافة إلى التأطير المهني الذي يوفره مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل.
وتمثل هذه المنظومة المتكاملة أحد العناصر المفصلية في نجاح الاستراتيجية، إذ أن توفير التمويل والتكوين والمواكبة التقنية يشكل ضمانة أكبر لاستمرارية المشاريع وجودة الخدمات المقدمة، بدلا من ترك المستثمرين يواجهون التحديات بمفردهم.
ويغطي البنك كافة أنواع السياحة المعتمدة في الاستراتيجية الوطنية، بما فيها السياحة البيئية والقروية والثقافية وسياحة الأعمال، ضمن رؤية 2030 التي تستهدف استقطاب 26 مليون سائح وتوفير 200 ألف سرير إضافي وخلق أكثر من 200 ألف فرصة عمل مباشرة.
وتعكس هذه الأهداف الطموح الحكومي لمضاعفة الطاقة الاستيعابية السياحية للمملكة خلال السنوات المقبلة، في سياق تنافسي إقليمي متصاعد مع وجهات سياحية منافسة في شمال إفريقيا والبحر المتوسط.
ويتطلب تحقيق هذه الأرقام استثمارات كبيرة في البنية التحتية، تحسين جودة الخدمات، وتنويع المنتج السياحي لجذب شرائح مختلفة من السياح.
وسجلت الوزارة اهتماما متزايدا بالمنصة من مستثمرين دوليين ومغاربة مقيمين بالخارج، خصوصا من فرنسا والولايات المتحدة وكندا وإسبانيا وبلجيكا وألمانيا وهولندا.
ويعكس هذا الاهتمام الدولي ثقة متنامية في المناخ الاستثماري المغربي، كما يشير إلى رغبة المغاربة المقيمين بالخارج في المساهمة في التنمية الاقتصادية لبلدهم الأصلي، خاصة وأن هذه الفئة تمتلك رأسمالا ماليا ومعرفة بالمعايير الدولية يمكن أن تضيف قيمة نوعية للمشاريع السياحية.

