كشفت دراسة علمية حديثة عن قدرات غير مسبوقة لدى طيور الغراب، تعيد طرح تساؤلات عميقة حول حدود الذكاء في عالم الحيوان، بعدما أظهرت امتلاكها مهارات متقدمة في التخطيط للمستقبل واتخاذ القرار.
وأفادت نتائج البحث، المنشور في مجلة علمية مرموقة، أن الغراب الكبير قادر على تصور أحداث مستقبلية بعيدة زمنيا، واتخاذ قرارات حالية بناء على مكاسب مؤجلة، في سلوك كان يعتبر حكرا على البشر وبعض الرئيسيات.
وخلال تجارب مخبرية دقيقة، درب باحثون طيورا على استخدام اداة محددة لفتح صندوق يحتوي على مكافأة غذائية. وبعد إزالة الصندوق، عرضت على الغربان عدة خيارات، بينها الاداة الصحيحة، وذلك بعد فترات زمنية متفاوتة.
وأظهرت النتائج أن غالبية الطيور احتفظت بالاداة المناسبة رغم غياب الهدف الفوري، ثم استخدمتها بنجاح لاحقا عند اعادة الصندوق، في سلوك يعكس قدرة على التخطيط الواعي وليس مجرد استجابة غريزية.
كما اختبر العلماء بعدا اخر من الذكاء لدى الغربان، يتعلق بالتخطيط الاجتماعي، من خلال منحها رموزا قابلة للمقايضة لاحقا مقابل مكافآت افضل. واختارت بعض الطيور تأجيل مكافأة فورية محدودة مقابل الحصول على فائدة اكبر في وقت لاحق.
ويرى الباحثون ان هذا النمط من السلوك يدل على وجود تمثيل ذهني للمستقبل، وقدرة على التحكم في الرغبات اللحظية، وهي سمات ترتبط عادة بالادراك المعقد.
واللافت ان بعض نتائج التجارب اظهرت تفوق الغربان، في ظروف معينة، على انواع من القردة في مهام تتعلق بالمقايضة وتأجيل الاشباع، ما يعزز فرضية امتلاكها مرونة ذهنية متقدمة.
ويؤكد مختصون ان هذه المعطيات تفتح افاقا جديدة لفهم الذكاء، باعتباره قدرة لا ترتبط حصرا بنوع معين من الكائنات، بل يمكن ان تظهر عبر مسارات تطورية مختلفة، مع بقاء القدرة على التفكير في المستقبل عنصرا مركزيا في تعريفه.
ومن المرتقب ان توجه هذه النتائج ابحاثا مستقبلية نحو دراسة سلوك الغربان في بيئتها الطبيعية، وتحليل الاليات العصبية التي تدعم هذه القدرات، الى جانب استكشاف ما اذا كانت انواع اخرى من الحيوانات تمتلك مهارات مشابهة.

