أظهرت بيانات رسمية مغربية تراجعا طفيفا في التحويلات المالية للمغاربة المقيمين بالخارج خلال شهر يناير من العام 2026، في سابقة تأتي بعد سنوات من الارتفاعات القياسية، في حين سجلت عائدات السياحة قفزة ملحوظة دعمت رصيد العملة الصعبة للبلاد، وسط استقرار إيجابي لتدفقات الاستثمارات الأجنبية.
وأفاد “مكتب الصرف”، وهو المؤسسة الحكومية المكلفة بإحصاء المبادلات التجارية والمالية للمغرب مع الخارج، في نشرته الأخيرة حول المؤشرات الشهرية للمبادلات الخارجية، بأن التحويلات المالية للمغاربة المقيمين بالخارج سجلت انخفاضا بنسبة 0,8 في المائة مع نهاية شهر يناير 2026.
واستقرت هذه التحويلات، التي تعد شريانا حيويا للاقتصاد المغربي وأحد أهم مصادر النقد الأجنبي، عند 9,38 مليار درهم، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
ويلفت هذا التراجع الطفيف انتباه المراقبين الاقتصاديين، لا سيما وأن تحويلات الجالية المغربية (التي تقدر بنحو خمسة ملايين نسمة، يتركز أغلبهم في دول أوروبا الغربية مثل فرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا) ظلت تسجل أرقاما تصاعدية منذ جائحة كوفيد-19.
وقد شكلت تلك التحويلات في السنوات الأخيرة شبكة أمان اجتماعي رئيسية لآلاف الأسر المغربية في مواجهة التضخم وتداعيات الجفاف المتعاقب الذي يضرب المملكة.
ويرجح محللون أن يكون هذا الانخفاض الطفيف انعكاسا لاستمرار الضغوط التضخمية وتباطؤ النمو الاقتصادي في منطقة اليورو، مما يؤثر بشكل مباشر على القدرة الادخارية للمهاجرين المغاربة، وبالتالي على حجم الأموال التي يرسلونها إلى وطنهم الأم لدعم أسرهم أو للاستثمار.
في المقابل، كشفت الأرقام الرسمية ذاتها عن أداء استثنائي لقطاع السياحة، الذي يواصل تعافيه القوي ولعب دوره كمحرك أساسي للنمو الاقتصادي.
وبحسب بيانات مكتب الصرف، فقد بلغت عائدات الأسفار (إيرادات السياحة من العملة الصعبة) 11,7 مليار درهم عند متم شهر يناير 2026. ويمثل هذا الرقم تحسنا كبيرا بنسبة 19,3 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من سنة 2025.
ويعكس هذا الأداء الدينامية الإيجابية التي يشهدها القطاع السياحي المغربي، مدفوعا بحملات الترويج الدولية، وتوسع شبكة الرحلات الجوية، فضلا عن الاستعدادات المستمرة للمملكة لاستضافة تظاهرات كبرى، على رأسها نهائيات كأس أمم إفريقيا وكأس العالم لكرة القدم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
وفي الشق المتعلق بالنفقات، أوضح المكتب التابع لوزارة الاقتصاد والمالية أن نفقات السفر للمغاربة نحو الخارج (سواء لأغراض السياحة، أو العلاج، أو الدراسة، أو الحج والعمرة) ارتفعت بدورها، ولكن بوتيرة أبطأ، حيث زادت بنسبة 2,3 في المائة لتبلغ 2,7 مليار درهم.
وبفضل هذا الفارق الكبير بين الإيرادات والنفقات، سجل رصيد ميزان السفر المغربي فائضا إيجابيا ومريحا بقيمة 8,92 مليار درهم، محققا بذلك زيادة قوية قدرها 25,7 في المائة مقارنة بشهر يناير 2025.
ويشكل هذا الفائض صمام أمان لميزان الأداءات، حيث يساهم في تغطية العجز التجاري الذي تعاني منه المملكة بسبب اعتمادها على استيراد مصادر الطاقة والمواد الأولية.
على صعيد آخر، تطرقت النشرة الشهرية لمكتب الصرف إلى حركة الاستثمارات، وهي مؤشر رئيسي آخر على ثقة الفاعلين الدوليين في مناخ الأعمال بالمغرب.
وأفادت البيانات بأن تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو المغرب حافظت على مسارها الإيجابي، حيث سجلت ارتفاعا بنسبة 0,7 في المائة، لتتجاوز عتبة 3,54 مليار درهم في الشهر الأول من العام.
وتسعى الحكومة المغربية، من خلال “ميثاق الاستثمار” الجديد، إلى جذب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية، لا سيما نحو القطاعات الصناعية ذات القيمة المضافة العالية كصناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة، لتوفير فرص العمل وتخفيف الاعتماد على القطاع الفلاحي شديد التأثر بالتقلبات المناخية.
وتشكل هذه المؤشرات الثلاثة (التحويلات، السياحة، والاستثمارات الأجنبية) الركائز الأساسية التي يعتمد عليها البنك المركزي المغربي (بنك المغرب) لتعزيز احتياطياته من النقد الأجنبي، والتي تعتبر حاسمة لضمان استقرار العملة المحلية وتمويل واردات البلاد.

