جدد الملك محمد السادس، حسم الموقف من إحدى أعمق الإشكالات البنيوية التي تعاني منها المملكة، حين أكد بعبارة صارمة أنه “لا مكان اليوم ولا غداً لمغرب يسير بسرعتين”.
وجاءت هذه الرسالة الملكية، بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لعيد العرش، لترسي أسس تحول مفاهيمي وسياسي نحو إنهاء ما يُعرف في الذاكرة الوطنية بثنائية “المغرب النافع” و”المغرب غير النافع”، والتي يعود أصلها إلى عهد الحماية الفرنسية، لكنها ظلت تؤطر التوزيع الفعلي للثروات والبنيات والمشاريع بعد الاستقلال.
وقد شدد الملك محمد السادس على أن “النجاحات التي حققها المغرب في السنوات الأخيرة لن تكتمل ما لم يشعر بها جميع المواطنين، في كل جهات المملكة”، مضيفا أن الجهوية المتقدمة يجب أن تتحول من إطار قانوني إلى أداة لإعادة التوازن المجالي.
وقد حمل الخطاب الملكي لهجة محاسبة غير مسبوقة، حين تحدث عن “مسؤوليات مؤسساتية” في استمرار هذا الواقع، داعياً إلى “جيل جديد من البرامج التنموية الترابية” يرتكز على العدالة، الالتقائية، والتدبير الفعال للموارد.
خريطة استعمارية تقاوم النسيان
يرتبط مفهوم “المغرب النافع والمغرب غير النافع” بالتقسيم المجالي الذي فرضته سلطات الحماية الفرنسية منذ أوائل القرن العشرين، حين ركّزت استثماراتها في المناطق الساحلية والسهول الخصبة والمراكز الحضرية، التي وفّرت فرص الاستغلال الاقتصادي السهل، وتركت في المقابل المناطق الجبلية والجنوبية والصحراوية في عزلة بنيوية، اعتُبرت مناطق متمردة وغير منتجة اقتصاديا.
ولم يكن هذا التوزيع لم يكن محايدا بل خضع لمنطق أمني واستعماري، وتحوّل إلى هندسة ترابية امتدت آثارها إلى السياسات الوطنية بعد الاستقلال، حيث لم تنجح السياسات العمومية المتعاقبة في محو هذا التقسيم الرمزي، بل أعادت إنتاجه بصيغ محدثة، حيث احتكرت جهات كبرى مثل الدار البيضاء–سطات، الرباط–سلا–القنيطرة، وطنجة–تطوان–الحسيمة أكثر من نصف الناتج الداخلي الخام، مقابل تراجع مؤشرات الاستثمار والتجهيزات والخدمات الأساسية في جهات مثل بني ملال–خنيفرة ودرعة–تافيلالت.
ويشير باحثون في السياسة المجالية إلى أن منطق الجدوى الاقتصادية ظل مهيمناً على قرارات التموقع الصناعي والمالي، وهو ما كرس تفاوتات بنيوية تُقابلها، اليوم، مؤشرات اجتماعية مقلقة أبرزها تفاوت فرص التشغيل، تفاوت العرض التعليمي والصحي، وغياب التغطية العادلة بالمرافق العمومية.
أرقام عن مغرب “يسير بسرعتين”
وتكشف نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن معدل الفقر متعدد الأبعاد بلغ 6.8 بالمئة على المستوى الوطني، بعد أن كان 11.9 بالمئة سنة 2014، ما يُظهر تقدما نسبيا. غير أن 72 بالمئة من الفقراء لا يزالون في الوسط القروي، و70 بالمئة منهم يتوزعون على خمس جهات فقط.
وتصدّرت جهة بني ملال–خنيفرة معدل الفقر الوطني بنسبة 9.8 بالمئة، تليها جهة فاس–مكناس بـ9.0 بالمئة، فيما كانت النسبة الأدنى في جهة العيون–الساقية الحمراء (2.4 بالمئة).
أما من حيث التغطية بالخدمات الأساسية، فقد بلغت نسبة الأسر المتوفرة على الكهرباء 97.1 بالمئة، في حين لم تتجاوز نسبة الولوج إلى الماء الصالح للشرب 82.9 بالمئة في بعض الجهات.
وارتفعت نسبة الأسر التي تقطن مساكن من غرفتين أو أقل إلى 43.5 بالمئة، ما يعكس ضغطاً سكنياً ملحوظاً، خصوصاً في الهوامش الحضرية والمناطق القروية.
وبلغ عدد سكان المغرب 36.8 مليون نسمة، بزيادة تقارب 8.8 بالمئة عن سنة 2014. ورغم هذا النمو الديمغرافي، تراجع معدل النشاط الاقتصادي من 47.6 بالمئة إلى 41.6 بالمئة، فيما قفز معدل البطالة إلى 21.3 بالمئة، خاصة في صفوف الشباب والنساء. وتعكس هذه الأرقام ضعف القدرة على تحويل الدينامية الاقتصادية العامة إلى فرص ميدانية منصفة في التوزيع المجالي.
جهوية محاصرة بالتفاوتات البنيوية
ومنذ دخول دستور 2011 حيز التنفيذ، جعل المغرب من الجهوية المتقدمة مدخلا لإعادة التوازن الترابي وتوسيع هامش القرار الترابي. غير أن الأداء الواقعي كشف أن عددا من الجهات لا تزال تفتقر إلى الكفاءات البشرية والموارد المالية، ما جعل مشاريعها التنموية رهينة للتمويل المركزي أو للدعم الخارجي.
في المقابل، نجحت جهات أخرى في تثبيت موقعها ضمن الدورة الاقتصادية بفضل موقعها الجغرافي، وبنية طرقية حديثة، وتراكم رأسمال إداري ومؤسساتي سابق.
ودعا الملك محمد السادس إلى إحداث طفرة في عمل الجهات، تقوم على الالتقائية، النجاعة، وتحديد الأولويات انطلاقاً من الواقع الميداني لا من مكاتب التخطيط.
وأكد على ضرورة المضي في تعميم ورش الحماية الاجتماعية، وربطه بالخدمات الأساسية في الصحة والتعليم والسكن اللائق. كما شدد على مواصلة تنفيذ البرامج الرامية إلى تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية في العالم القروي، خصوصاً في مجال الطرق والماء والكهربة المدرسية.
وفي ضوء هذه التوجيهات، تنتظر الحكومة والمنتخبين الجهويين مسؤوليات مضاعفة، ليس فقط في تدبير المشاريع، بل في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجالات التي ظلت لعقود خارج الرؤية المركزية. فالحديث عن نهاية “مغرب بسرعتين” لا يعني فقط إعادة توزيع الاستثمار، بل إعادة توزيع الاعتبار والإنصاف داخل التراب الوطني.

