لا تمشي البلاد دائما في الاتجاه ذاته، حتى حين يبدو المسار مرسوما على الورق بعناية.
هناك طريق سريع تسلكه المدن المصقولة، حيث تُرصّف الأرصفة وتُدهن الجدران وتُعلّق الشاشات في انتظار العالم.
وهناك في المقابل مسالك غير معبّدة، يسلكها مواطنون لا يعرفون غير الخطى الهادئة والوجوه المكشوفة، لا يحملون أكثر من مطلب قديم لم يعد يجد مكانا له في جدول الأعمال
في جانب من الصورة، تُصاغ العناوين بلغات متعددة، تُحتسب نقاط التنافس وتُعدّ الكاميرات وتُبنى فنادق جديدة.
في الجانب الآخر، لا يُكتب شيء. فقط تُرفع الأعلام في صمت، وتُرفع معها عيون أرهقها الانتظار، كأنها تقول إن الانتماء لا يكفي حين يصبح الصبر وحده هو السياسة العمومية الوحيدة المتاحة
لم يُطلب الكثير. لا مدينة ذكية، لا قطار فائق السرعة، لا ملاعب بمدرجات حديدية. فقط طريق يصل بين نقطة ونقطة، وشبكة تلتقط الإشارة، وماء لا يتوقف عند الحافة.
لم تكن المسيرة فعلا سياسيا ولا استعراضا معارضا. كانت فقط تعبيرا عن غياب طويل، ووسيلة هادئة لوضع نقطة على سطر منسي في الخريطة
الذين ساروا ليسوا خصوما للدولة ولا أعداء للتنمية. هم فقط شهود على زمن مختلف، زمن لا يحتسب بالسرعة بل بالتكرار، لا يقاس بالحجم بل بحدود الكفاف
ومع ذلك، لم يُستقبلوا بالإنصات، بل بالتأويل. كأن التعبير عن الحاجة صار مدعاة للريبة، وكأن المنتخب حين يسير إلى جانب أهله يكون قد خرج عن الصف، لا دخل إلى قلبه
في لحظة فارقة كهذه، لا تعود المشكلة في غياب الميزانية ولا في تعقيد المساطر، بل في سؤال أبسط من ذلك بكثير: من نُصغي إليه أولا، ومن نراه حقا؟ لأن البلاد التي تنجح في تنظيم مواعيد كبرى، قادرة أيضا على سماع وقع أقدام تسير بصمت، لا لتحتج، بل لتُذكّر
بل أكثر من ذلك، فإن البلد الذي ينجح في استقطاب تظاهرات عالمية، ليس عصيا عليه أن يفك عزلة عن قرية أو مدشر، وأن يُرسل إشارة بسيطة إلى من يشعرون بأنهم خارج مجال التغطية
الرهان ليس بين مدينة وقرية، ولا بين حدث عالمي وطلب محلي. الرهان الحقيقي هو على وحدة الشعور بالانتماء، على أن يشعر الجميع بأن هذه الأرض تتّسع لهم بنفس القدر، ولو بدرجات متفاوتة من الضوء. أما حين يُترك البعض خارج الإطار، فإن الصمت لن يطول، حتى لو ظل مؤدّبا
الذين رفعوا الأعلام لم يفعلوها من أجل عدسة، بل من أجل كرامة. والذين مشوا المسافة لم يكونوا يبحثون عن جواب، بل عن اعتراف. لا يريدون أن يتصدروا النشرات، فقط أن لا يُشطب عليهم في الخلفية. وهنا بالتحديد يتقرر معنى أن تكون الدولة منفتحة على الخارج، دون أن تُدير ظهرها لما في العمق
مغرب المنصات ليس مشكلة، لكنه لن يكون كافيا. لأن المنصة لا تصمد طويلا إن كانت قائمة على حافة واد. والمسالك مهما كانت وعرة، تظل أصدق ما يكشف عن الطريق الحقيقي لهذا البلد، حين لا يُكتب كل شيء في الخطب، بل يُقال بهدوء، على لسان من يعرفون جيدا كيف يُؤخذ الحق دون أن يُقال كل شيء

