تحول قرار الجزائر وقف ضخ الغاز نحو المغرب خريف 2021، الذي أريد له أن يكون ورقة ضغط جيوسياسية خانقة، إلى حافز غير مسبوق سرع من وتيرة تحقيق “السيادة الطاقية” للمملكة، كاشفا في المقابل عن محدودية خيارات الجزائر الدبلوماسية وتآكل مصداقيتها كشريك موثوق في المنطقة، وفق ما تؤكده مؤشرات اقتصادية ومعطيات تقنية حديثة.
وتجاوزت الرباط، في ظرف وجيز، مرحلة تدبير الأزمة التي تلت الإغلاق الأحادي لأنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي، لتنتقل إلى بناء منظومة طاقية متكاملة ومتحررة من “الابتزاز الإقليمي”.
وتظهر البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئات الإسبانية المختصة أن المغرب لم ينجح فقط في تأمين حاجياته عبر استيراد الغاز من السوق الدولية وضخه عكسيا عبر الأنبوب ذاته انطلاقا من إسبانيا، بل تحول خلال عام 2025 إلى فاعل محوري في شبكة الغاز بشبه الجزيرة الإيبيرية، مسجلا معدلات استيراد فاقت في بعض الأشهر دولا أوروبية، وهو ما نسف عمليا الرهانات الجزائرية على إحداث شلل في الإمدادات المغربية.
ويرى مراقبون أن الاستراتيجية الجزائرية التي راهنت على توظيف الطاقة كسلاح دبلوماسي قد ارتدت عليها عكسيا.
فبينما سعت الجزائر إلى عزل المغرب، نجحت المملكة في تحويل أنبوب الغاز – الذي كان سابقا أداة للعبور الأحادي – إلى شريان حيوي مرن ضمن شراكة استراتيجية مع مدريد، ما مكن الرباط من الولوج إلى السوق الدولية دون الحاجة إلى تقديم أي تنازلات سياسية أو الدخول في مفاوضات مع الجارة الشرقية.
وقد كرس هذا التحول صورة المغرب كشريك موثوق قادر على اجتراح الحلول البديلة، في وقت تضررت فيه سمعة الجزائر لدى الشركاء الأوروبيين بسبب إقحامها الحسابات السياسية الضيقة في ملفات الإمداد الطاقي الحساسة.
ولم تكتف المملكة بالحلول الظرفية، بل دشنت مرحلة “التنفيذ العملي” لمشاريع هيكلية تهدف إلى فك الارتباط النهائي بأي تبعية إقليمية.
ويعد مشروع محطة التخزين وإعادة التغويز العائمة بميناء الناظور غرب المتوسط، المرتقب دخوله حيز الخدمة في 2026، نقطة تحول مفصلية تمنح المغرب استقلالية تامة في استيراد الغاز المسال من الأسواق العالمية.
وتتزامن هذه الخطوة مع بدء الإنتاج المحلي في حقل تندرارة، الذي رغم طاقته الأولية، يحمل رمزية سياسية قوية تدحض السردية الجزائرية التي طالما سوقت للمغرب كبلد مفتقر للموارد وخاضع لتقلبات العرض الخارجي.
وفي الوقت الذي يواصل فيه المغرب تنويع شركائه وتعزيز بنيته التحتية ضمن رؤية ملكية استراتيجية بعيدة المدى، تجد الدبلوماسية الجزائرية نفسها “أسيرة” عقيدة جامدة لم تعد صالحة للمتغيرات الدولية الراهنة.
ويؤكد محللون أن إصرار الجزائر على التمسك بمنطق “المواجهة الصفرية” أفقدها أوراق ضغط حقيقية، حيث أثبتت الوقائع الميدانية بين 2024 و2026 أن سياسة “الخنق الطاقي” لم تزد الجبهة الداخلية المغربية إلا تماسكا وسرعة في إيجاد البدائل المستدامة.
وبذلك، تكون المعادلة الطاقية في غرب المتوسط قد أعيد تشكيلها بالكامل؛ فالمغرب يرسخ موقعه كدولة صاعدة تمتلك قرارها الطاقي، بينما تواجه الجزائر واقعا جيوسياسيا جديدا يتسم بفقدان التأثير، بعدما “أحرقت” آخر أوراقها الاقتصادية في معركة دبلوماسية خاسرة، دافعة بجارها الغربي نحو استقلال استراتيجي كان ليظل مؤجلا لولا “القطيعة” التي بادرت بها الجزائر نفسها.

