حين أطلقته الحكومة في عز ما بعد الجائحة، بدا برنامج “فرصة” كإعلان نوايا حسن النية: تحفيز المقاولة الذاتية، ضخ الأمل في صفوف الشباب العاطلين، وخلق دينامية اقتصادية من تحت.
وقد خصص لهذا البرنامج، غلاف مالي قدره 2.5 مليار درهم، واستقبل بـ”ترحاب استراتيجي” داخل مؤسسات الدولة، على أنه الجواب العملي على هشاشة سوق الشغل.
غير أن سردية البرنامج، وبعد مضي أكثر من ثلاث سنوات على إطلاقه، بدأت تتعرض لتصدعات حادة. ففي مدن وقرى مغربية متفرقة، يتوصل مستفيدون منه، تباعا، بإنذارات قضائية.
بعضهم أبلغ بضرورة أداء الأقساط المتأخرة خلال أجل لا يتجاوز أسبوعا، تحت طائلة الحجز. وآخرون باتوا مهددين بالإكراه البدني. المفارقة؟ هؤلاء ليسوا محتالين، ولا متهربين، بل ببساطة: مشاريعهم لم تصمد.
من التمويل إلى التنفيذ القضائي
وخلال سنة 2022 وحدها، تلقى برنامج “فرصة” أزيد من 300 ألف طلب، وفق المعطيات الرسمية، وتم اختيار 21.200 مشروع، تتنوع بين التجارة والخدمات والصناعة التقليدية.
وتراوحت المبالغ الممنوحة بين 10 آلاف و100 ألف درهم، أغلبها بصيغة “القرض الشرفي” الذي يمنح بدون فائدة، ويفترض سداده خلال سبع سنوات، بعد سنتين من التأجيل.
لكن كثيرين من المستفيدين، كما يتبين من شهاداتهم، لم يكونوا على دراية دقيقة بصيغة الالتزام. ولم يدركوا أن التمويل، وإن قدم في سياق الدعم العمومي، يظل خاضعا لمسطرة التنفيذ القضائي. ولم يعلموا، على وجه التحديد، أن مجرد تأخير في الأداء قد يضعهم في مواجهة الحجز، وربما الاعتقال.
هدى، مستفيدة من مدينة فاس، أطلقت مشروعا منزليا للطهو وتوصيل الطلبات. تقول إنها اجتهدت، لكنها واجهت عراقيل من قبيل تضخم الأسعار وقلة الترويج. بعد تعثرها، توقعت أن يتم التواصل معها من طرف الحاضنة أو المؤسسة الممولة. لكن ذلك لم يحدث.
“تلقيت فقط إنذارا من مفوض قضائي. كنت أظن أن هناك مجالا للتفاوض أو طلب مهلة إضافية. كل ما حصلت عليه هو تهديد بالحجز”، تقول هدى بأسى.
من جانبه، يحكي حكيم أهبا، مستفيد سابق من جهة الدار البيضاء، أنه تلقى إشعارا قضائيا بأداء متأخرات القرض، رغم توقف مشروعه منذ أكثر من سنة. “صرح الناطق الرسمي باسم الحكومة أن الدولة ستتكفل بالأقساط في حال العجز، لكن الواقع أن كل جهة ترمي المسؤولية على الأخرى. نحن اليوم وحدنا في مواجهة المساطر”.
التصريحات التي يشير إليها أهبا تعود إلى مارس 2023، حين قال مصطفى بايتاس، الناطق باسم الحكومة، في ندوة صحافية، إن “الدولة لن تتخلى عن الشباب”، وإن هناك “آليات لضمان المواكبة في حال التعثر”.
لكن البحث في النصوص المنظمة للبرنامج لا يظهر أي بند صريح يجسد هذا التعهد. لا وجود لأي مذكرة تنفيذية أو مرسوم وزاري يلزم الدولة بإعادة جدولة الدين أو تحمل جزء منه عند الإعسار.
ما يتوفر، بالمقابل، هو عقد موحد توقعه جميع الأطراف، يعتبر القرض دينا واجب الأداء، دون إمكانية للتفاوض بعد الموافقة النهائية. ووفق إفادات قانونيين، فإن المؤسسات الممولة تكون في موقع قوة بمجرد توقيع المستفيد، ما يضعف كل إمكانيات الوساطة أو إعادة التفاوض.
اين اختفت المواكبة؟
ولا يقتصر البرنامج على التمويل، بل ينص في صيغته الرسمية على مواكبة تمتد لشهرين ونصف، وتأطير تدريبي عبر منصة Forsa Academy.
كما تفيد وزارة السياحة – بصفتها المشرفة – بأن أكثر من 50 ألف شاب استفادوا من التكوين، وتم خلق 37 ألف منصب شغل، 44 بالمئة منها لفائدة النساء.
لكن هذا الجانب من المواكبة، كما يؤكد مستفيدون، ظل نظريا في الغالب، وغير كاف في مواجهة التحديات الميدانية. سعاد، من جهة طنجة تطوان الحسيمة، قالت إن الحاضنة تواصلت معها مرتين فقط قبل صرف التمويل، ثم اختفت تماما.
“حين واجهت مشاكل، لم أجد أي مخاطب. رسائل البريد لم يُرد عليها. البنكيون قالوا إن دورهم يقتصر على استرجاع القرض. أين الدولة؟”، تتساءل سعاد.
مصادر ميدانية أخرى تحدثت عن ضعف التنسيق بين الحاضنات، وتفاوت مستواها من جهة لأخرى. بعض الحاضنات لم تكن تتوفر سوى على طاقم محدود العدد، يدبر مئات الملفات، مما أفقد المواكبة طابعها الفردي والناجع.
هذا الغياب في المتابعة يجعل المشروع، مهما كانت فكرته، معرضا للانطفاء السريع. فالمقاولات الفتية، كما تجمع الدراسات، تحتاج إلى تأطير مستمر خلال أول عامين، وهي المرحلة التي شهدت، وفق مصادر غير رسمية، النسبة الأكبر من الإخفاقات داخل برنامج “فرصة”.
من جانب آخر، تشير تقارير صحفية إلى أن مؤسسة “وسيط المملكة” توصلت بعدد من الشكايات المرتبطة بإنذارات قضائية في إطار هذا البرنامج، دون أن يصدر عن الجهات الوصية أي بلاغ توضيحي.
كما اضطر رئيس الحكومة، في يناير 2025، إلى توقيع اتفاقية لتمويل 1700 مشروع إضافي من لائحة الانتظار، تجاوبا مع الانتقادات، لكن دون مراجعة لبنية البرنامج أو معالجة ملفات التعثر القائمة.
في ظل هذا الغموض، يبدو أن “فرصة” بدأ يفقد جزءا من رسالته الأولى. فبدل أن يكون مساحة آمنة لتجريب الأفكار وتحفيز روح المبادرة، بات يشكل في نظر البعض تهديدا قانونيا مقنعا تحت شعار الدعم.
ومن دون إصلاحات جذرية على مستوى العقود، وآليات الوساطة، وضمانات المواكبة، سيظل البرنامج أقرب إلى هندسة تمويلية صلبة، عاجزة عن التعامل مع واقع الهشاشة الذي بُني عليه.


