وطن 24 من الدار البيضاء
لم تكن قفزة أسعار لحوم الدواجن في الأسواق المغربية، والتي لامست عتبة 30 درهما (نحو 3 دولارات) للكيلوغرام الواحد في مدن كبرى مثل طنجة والدار البيضاء، مجرد سحابة صيف عابرة أو تقلب موسمي معتاد. بل هي، بحسب قراءات الهيئات المهنية، الانعكاس الحتمي لأزمة بنيوية مركبة ضربت القطاع خلال الأشهر الماضية، وتجلت نتائجها اليوم في شح حاد في العرض يكتوي بناره المستهلك النهائي.
ولتفكيك خيوط هذه الأزمة، بعيدا عن التفسيرات الكلاسيكية، تجمع الهيئات الممثلة لقطاع الدواجن على أن السوق المغربية تدفع حاليا ضريبة مباشرة لـ”سوء تقدير” في إدارة توازن العرض والطلب، أدى إلى استنزاف مالي غير مسبوق لصغار ومتوسطي المربين.
وفي محاولة لفهم مسار هذه الأزمة، وكيفية تأرجح السوق بين وفرة أضرت بالمنتج وندرة ألهبت جيوب المستهلكين، تبرز مجموعة من العوامل المتداخلة التي رسمت هذا المشهد المعقد، بدءا من التوجيهات الرسمية، مرورا بالكلفة الحقيقية للإنتاج، وصولا إلى الطبيعة البيولوجية للقطاع.
فخ “الوفرة الموجهة” ولغة الأرقام
وترجع مصادر مسؤولة داخل “الفيدرالية البيمهنية لقطاع الدواجن بالمغرب” (FISA)، جذور الأزمة الحالية إلى الاستجابة الواسعة للمربين لتوجيهات سابقة من وزارة الفلاحة والصيد البحري، والتي حثت المهنيين على الرفع من الطاقة الإنتاجية لضمان تموين الأسواق خلال فترات الذروة الاستهلاكية المرتبطة بشهر رمضان وموسم الصيف.
هذه الاستجابة، بحسب المهنيين، أدت إلى إغراق السوق بكميات فاقت بكثير قدرته الاستيعابية الفعلية. وتوضح مصادر من “الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم” أن هذا الفائض أدى إلى انهيار دراماتيكي في أسعار البيع داخل الضيعات (أسعار الجملة)؛ حيث تراجع سعر الكيلوغرام الحي إلى مستويات تراوحت بين 11 و12 درهما، في وقت تؤكد فيه البيانات المحاسبية للمربين أن تكلفة الإنتاج الحقيقية للكيلوغرام الواحد (شاملة الأعلاف، الكتاكيت، الرعاية البيطرية، والطاقة) لا تقل عن 15 إلى 16 درهما.
هذه الفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع كبدت المربين خسائر صافية تراوحت بين 3 و4 دراهم في كل كيلوغرام، مما يعني خسائر بملايين الدراهم للمتوسطين منهم، ودفع شريحة واسعة نحو حافة الإفلاس التام، لتعجز عن تسديد ديونها لموردي الأعلاف ومحاضن الكتاكيت.
دورة الإنتاج المعطلة.. الأثر المؤجل
التفسير المهني للقفزة الحالية في الأسعار يرتبط ارتباطا وثيقا بـ”الدورة البيولوجية” لتربية الدواجن. فوفقا لخبراء القطاع، أدى الاستنزاف المالي المذكور إلى عجز نسبة كبيرة من المربين عن تمويل دورات إنتاج جديدة.
وبحسب إحصائيات غير رسمية من داخل الجمعيات المهنية، فقد تراجعت نسبة إدخال “كتاكيت اليوم الواحد” إلى الضيعات بنسب متفاوتة، إذ فضل العديد من المنتجين تعليق نشاطهم مؤقتا لوقف النزيف، أو تقليص الطاقة الاستيعابية لضيعاتهم إلى النصف.
وبما أن دورة إنتاج دجاج اللحم تستغرق في المتوسط ما بين 45 إلى 50 يوما ليكون جاهزا للتسويق، فإن “فراغ الضيعات” الذي حدث قبل شهرين تقريبا، ترجم اليوم بوضوح إلى نقص حاد في العرض بالأسواق المركزية والتقسيط في مدن كطنجة وغيرها. وهو نقص تزامن مع استمرار الطلب الثابت على اللحوم البيضاء باعتبارها الملاذ الأخير للأسر المغربية هربا من الغلاء الفاحش للحوم الحمراء.
غياب التخطيط و”الضحية المزدوجة”
لا تتردد الهيئات المهنية في تحميل المسؤولية لغياب التخطيط الاستراتيجي وآليات تتبع السوق. وتؤكد مصادر من نقابات المربين أن القطاع يعاني من غياب نظام حصص (كوطا) للإنتاج، مما يجعله خاضعا لمزاجية العرض والطلب العشوائي.
وفي تصريحات متطابقة، يطالب المهنيون بضرورة تدخل الدولة لتنظيم العلاقة بين “محاضن الكتاكيت” و”مصانع الأعلاف” من جهة، والمربين من جهة أخرى، معتبرين أن المربي يتحمل وحده مخاطر السوق، في حين تحافظ حلقات الإنتاج الكبرى على هوامش ربحها.
اليوم، يقف القطاع أمام معادلة “الضحية المزدوجة”؛ فالمستهلك المغربي يجد نفسه مجبرا على اقتناء الدجاج بأسعار تناهز 30 درهما، مما يثقل كاهل ميزانيته المنهكة أصلا بموجات التضخم.
وفي المقابل، لا يعني هذا السعر المرتفع بالضرورة تحقيق المربي لأرباح خيالية، بل هو بالكاد يحاول تعويض جزء من خسائره السابقة وسط ارتفاع مستمر في أسعار الأعلاف المركبة عالميا ومحليا.
ويبقى استقرار الأسواق في الأسابيع المقبلة، وفقا للمنظور المهني، مرهونا بمدى قدرة المربين على استعادة ثقتهم في السوق واستئناف نشاطهم، وهو مسار يتطلب تدخلات هيكلية تضمن حماية الفاعل الصغير من الإفلاس، وتحمي جيب المستهلك من تقلبات الأسعار الحارقة.

