البراق شادي عبد السلام
تشكل تحركات التدفق البشري الموجه نحو سبتة ومليلية نموذجا متكاملا للحروب الهجينة المعاصرة التي تستهدف شل مراكز القرار السيادي المغربي عبر وسائل رقمية وإنسانية عابرة للحدود.
يقترن اختيار توقيت الاجتياح بذكرى عيد العرش المجيد مستهدفا المكانة الرمزية والروحية للمؤسسة الملكية باعتبارها ركيزة الاستقرار القومي والضامن الأساسي لوحدة الأمة المغربية.
تستهدف المناورة السيبرانية والميدانية تخريب جدار التنسيق الأمني بين الرباط ومدريد ونقل صراع المضائق إلى عمق منطقة جبل طارق بهدف إرباك التوازنات البحرية والإقليمية في حوض المتوسط.
تكشف الأزمة عن التواطؤ السياسي الصريح بين التيارات المتطرفة في الجوار الأوروبي والدوائر الإقليمية المعقدة في محاولة توظيف الورقة الحدودية لابتزاز الرباط والتشويش على ملف كأس العالم 2030.
تمثل العودة الممنهجة لإحياء ادعاءات ملف بيكاسوس تمهيدا استخباراتيا لشيطنة الأجهزة السيادية الوطنية وتجريدها المسبق من المشروعية الأخلاقية والدبلوماسية في حماية الحدود الترابية للمملكة.
تجهض الرؤية القضائية المؤسساتية في التعاطي مع قضية علي المرابط مخطط صناعة ملف حقوقي مفبرك يروم تكبيل يد الدولة ومنعها من اتخاذ إجراءات الردع الأمنية المشروعة.
تثبت التحذيرات المغربية الاستباقية للجانب الإسباني والقدرة على حسم الأزمة ميدانيا في ظرف 72 ساعة التفوق التشغيلي والاستشرافي للمؤسسات الأمنية الوطنية.
يتجلى التورط المباشر للمخابرات الجزائرية وذراعها الانفصالي في إدارة الغرف الرقمية وتغذية منابر أقصى اليمين الإسباني بمنشورات التضليل لبث الفوضى وتأليب الشارع الإقليمي.
تصطدم الدعوات الارتدادية لتأجير الشارع الداخلي وإحداث احتقان اجتماعي بوعي المنظومة المجتمعية المغربية وتماسك الجبهة الوطنية خلف الثوابت الجامعة.
يستدعي تجاوز الاختلالات الحزبية والسياسية مواكبة الزخم التنموي الملكي، مع ترسيخ حقيقة أن التلاحم العضوي بين العرش والشعب يظل الدرع الحصين لحماية المصالح العليا للمملكة.
تمر منطقة غرب المتوسط بمرحلة حاسمة من الصراع الجيو-إستراتيجي الذي تتقاطع فيه التهديدات الرقمية بالضغط الميداني على خطوط التماس، إذ تتجه الدوائر المعادية للمصالح العليا للمملكة المغربية نحو اختبار أنماط غير تقليدية لإرباك التوازنات الإقليمية المستقرة. وبناء على هذا التحول، تؤكد القراءات الحديثة للحروب الناعمة أن الاستهدافات المعاصرة تتجنب المواجهات العسكرية والدبلوماسية المكشوفة، وتعتمد بدلا من ذلك على الالتفاف غير المباشر عبر الوسائل الإنسانية والاجتماعية لفرض شلل استراتيجي على مراكز القرار السيادي. وبإخضاع الأحداث الأخيرة في شمال المغرب لهذه المقاربة، يتجلى بوضوح كيف جرى توظيف سلاح الهجرة وإرباك المؤسسات في خلفيات التدفقات البشرية الكثيفة الموجهة صوب نقاط العبور في سبتة ومليلية المحتلتين؛ حيث تمت الاستعانة بقنوات و ديناميكيات غير تقليدية تسلب القدرة على الرد السريع، تمثلت في حملات سيبرانية منسقة تدار عبر منصات التواصل الاجتماعي من خارج الحدود.
وقد جرى اختيار التوقيت السياسي لهذه التحركات بدقة بالغة تزامنا مع احتفالات الشعب المغربي بعيد العرش المجيد، بغرض استهداف المؤسسة الملكية والنيل من رمزيتها التاريخية والروحية والسياسية التي تشكل صمام أمان الأمة وضامن استقرارها ، بجانب محاولة صناعة فوضى ميدانية عارمة واستهداف السمعة الدولية للمملكة وتشويه صورتها كشريك أمني موثوق يحرس البوابة الغربية للمتوسط، بالتزامن مع السعي لفرملة المكتسبات التاريخية التي حققتها الدبلوماسية الملكية في ملف الوحدة الترابية للمملكة.
وارتباطا بسياق هذه التحركات المريبة، تلتقي هذه المؤامرة الرقمية والميدانية مع استراتيجية نقل المعركة إلى داخل المغرب، حيث راهنت الأجندة الخارجية الخفية على دق إسفين في العلاقات المغربية الإسبانية المتميزة وتخريب جدار التنسيق الأمني والسياسي بين الرباط ومدريد عبر إعادة إنتاج سيناريوهات أزمات الماضي وتأليب التيارات السياسية الإسبانية ضد حكومة سانشيز. غير أن يقظة وصرامة الأجهزة السيادية في البلدين أحبطت هذه المناورة لتتضح الأبعاد الأكبر للمخطط والمتمثلة في نقل صراع المضائق إلى عمق منطقة جبل طارق وتحويل هذا الشريان التجاري والعسكري الدولي من منطقة نفوذ وازدهار للمحور المغربي الأوروبي إلى بؤرة توتر واستنزاف دائم تخدم مصالح قوى إقليمية ودولية منافسة تسعى لإرباك حلف الناتو وإضعاف الجبهة الغربية، وهو ما يضع المتابع أمام مؤشرات قاطعة تؤكد استهداف المغرب بشكل رئيسي عبر عملية الاجتياح البشري المنظم التي تحولت بفضل حكمة التنسيق المشترك إلى صفعة مدوية على وجه الدوائر المعادية للمصالح العليا للمملكة.
وامتدادا لأبعاد هذا الاستهداف الجيو-إستراتيجي، سارعت أطراف سياسية متطرفة في الجوار الأوروبي، عبر تحالف بين أقصى اليمين وأقصى اليسار في إسبانيا والبرتغال يشمل أحزاب “فوكس” و”سومار” و”بوديموس” و”ليفر”، إلى استغلال ورقة الضغط على مناطق التماس قرب نقاط العبور لتنفيذ أجندة الالتفاف على مكتسبات المملكة. وتجلت هذه المناورة في ممارسة ضغوط برلمانية وتطوير مقترحات قانونية تستهدف مطالبة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بسحب تنظيم كأس العالم 2030 من المغرب تحت ذرائع أمنية وحقوقية مفتعلة. وتكشف هذه الخطوة حجم التواطؤ السياسي بين مختلف الدوائر الإقليمية الذي سعى إلى ضرب التوازن الإستراتيجي للملف الثلاثي المشترك ومحاولة عزل الرباط دوليا
استهداف الرمزية الملكية ودلالات الترتيب الزمكاني في ذكرى عيد العرش
تكشف القراءة الإستراتيجية العميقة لاختيار توقيت الإنزال البشري نحو ثغري سبتة ومليلية المحتلتين أواخر شهر يوليوز عن مخطط زمكاني خبيث أعد بعناية فائقة في غرف التخطيط الهجين لدى الدوائر المعادية. فقد اقترن هذا التوقيت بحسابات سياسية حاسمة تقاطعت فيها الأبعاد الرمزية بالظرفية الحرجة، مستهدفة التشويش المباشر على ذكرى عيد العرش المجيد، التي تشكل العروة الوثقى والمحطة الوطنية الأبرز لتجديد البيعة والولاء بين العرش والشعب. وبناء على ذلك، راهنت العقول المدبرة لهذه المؤامرة على إحداث إرباك ميداني وإعلامي يشتت انتباه الدولة والمجتمع عن دلالات هذه الذكرى المجيدة، وتوجيه ضربة رمزية لصمام أمان الأمة وركنها الحصين المتمثل في المؤسسة الملكية، بما تحمله من شرعية تاريخية وروحية ودستورية صلبة تشكل الركزة الأساسية للاستقرار القومي والوحدة الوطنية.
وارتباطا بهذه الأبعاد، سعى صناع هذا الاجتياح المصطنع إلى توظيف البعد الزمكاني لتركيب تباين إعلامي مفبرك بين مشاهد الاحتفال الوطني والتلاحم الشعبي حول العرش، وبين صور الفوضى والتحشيد على خطوط التماس، بغية إظهار الدولة المغربية وكأنها تواجه انفصاما بين رمزيتها السيادية والواقع الميداني، وتصوير مؤسساتها بمظهر المرتبك المنشغل بالمناسبة الوطنية عن ضبط سيادتها. وفي مقابل ذلك، اصطدمت هذه المراهنة التكتيكية المأجورة بجدار الجاهزية العالية للمؤسسات السيادية والأجهزة الأمنية، التي أبانت عن قدرة استثنائية في الجمع بين تأمين الفعاليات الوطنية الرسمية والشعبية بكل انسيابية، وفرض سيطرة ميدانية كاسحة على النطاقات الحدودية الحساسة. ومن ثم، أثبت هذا التلاحم العملياتي للدوائر المعادية أن المؤسسة الملكية المغربية والعرش العلوي المجيد هو المعبر الأسمى والوحيد لتطلعات وآمال الشعب المغربي في الكرامة والعيش الكريم.
بناء التمهيد الرقمي عبر ملف بيكاسوس والتلاعب بسيكولوجية الجماهير
تشكل القراءة المعمقة لصياغة التمهيد الرقمي المدخل الأساسي لتفكيك الخلفيات الجيو-إستراتيجية لخيار الحرب الهجينة الموجهة ضد المملكة المغربية، إذ تبين المعطيات الميدانية والتحريات السيبرانية أن الإنزال البشري المفاجئ مكثف الأبعاد صوب ثغري سبتة ومليلية المحتلتين في أواخر شهر يوليوز 2026 (تحديدا يومي 29 و30 يوليوز) جاء مرتبطا بصورة وثيقة بسياق رقمي جرى تحضيره بعناية في ردهات الغرف الاستخباراتية التابعة للدوائر المعادية. وبناء عليه، مثلت العودة الممنهجة لإحياء ادعاءات برمجيات التجسس “بيكاسوس” منصة إعلامية متقدمة ومخططا تمهيديا لشيطنة المؤسسات السيادية الوطنية قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الميداني؛ وهو سيناريو متجدد يطابق المحاولات المسجلة سابقا في ماي 2021 وفي شتنبر 2024.
وفي هذا السياق، تندرج إعادة تحريك ملف “بيكاسوس” في إطار تمهيد إستراتيجي مسبق يتجاوز حدود المناورات الحقوقية والتقنية العادية، مستهدفا ضرب السلاح الأقوى للمملكة قبل اندلاع الأزمة الميدانية، والمتمثل في المصداقية الدولية لأجهزتها السيادية. فالتركيز على فبركة ادعاءات الاختراق التجسسي سعى بالأساس إلى صناعة شبهة مبكرة تحيط بالعقيدة الأمنية المغربية، وتصوير المؤسسات الاستخباراتية والقضائية الوطنية كأجهزة تخرق القوانين الدولية. هذا التشويه الممنهج توخى نزع الشرعية الأخلاقية والدبلوماسية عن أي خطوة أمنية ميدانية قد تتخذها الرباط لحماية حدودها الترابية، وتجريدها مسبقا من القدرة على الرد المؤسساتي الحازم.
إضافة إلى ذلك، اشتغلت الماكينات الدعائية المعادية على بناء رابط عضوي مفبرك بين ملف “بيكاسوس” وقضايا الهجرة تمهيدا للحدث الأكبر في سبتة، إذ هدفت هذه الدوائر إلى إرساء رواية تضليلية لدى العواصم الغربية والمنظمات الدولية مفادها أن المغرب يمتلك أدوات اختراق هجومية يستعملها في الابتزاز السياسي والتجسس، وترسيخ انطباع نفسي مسبق بأن أي تدفق بشري مقبل نحو سبتة يشكل سلاحا سياسيا موجها تمارسه الرباط، مع حجب حقيقة كونه اعتداء هجينا تديره شبكات عابرة للحدود وغرف أجنبية مظلمة.
وارتباطا بهذه الدينامية، استهدفت الماكينات الدعائية الموجهة خلق بيئة نفسية وسياسية لدى العواصم الغربية تجعلها قابلة لتبني هذه الرواية الجاهزة فور صدور إشارة البدء الميدانية. وعليه، ركزت التقارير المفبركة والحملات الموجهة في أوائل يوليوز 2026 – بالتزامن مع النشر العلني لبعض الأحكام القضائية الأوروبية وتطويعها لخدمة أجندات التضليل – على استهداف رجالات الدولة والمحيط الملكي والمؤسسات الأمنية والعسكرية، بغية هز الثقة الدولية بصلابة المنظومة السيادية، وحرمان الرباط إعلاميا وسياسيا من حقها المشروع في اتخاذ التدابير الصارمة لحماية حدودها الترابية.
وفي الوقت ذاته، كشفت طبيعة هذه التحركات الميدانية عن تطابق تكتيكي وعضوي في الغايات والأهداف بين شبكات الاتجار بالبشر والدوائر الاستخباراتية الإقليمية المعادية؛ حيث وجدت عصابات تهريب البشر في التوجيه الاستخباراتي الخفي رافدا لوجستيا وغطاء سياسيا لمضاعفة أرباحها المالية من بؤس المرشحين للهجرة، في حين وظفت الغرف الاستخباراتية القدرات التنفيذية لهذه الشبكات الإجرامية كمجموعات عمل بالوكالة قادرة على تحريك الكتل البشرية وإدارة مسارات الاختراق الميداني دون التورط المباشر. هذا التقاطع المصلحي تحول إلى زواج نفعي ينفذ أجندة مشتركة تستهدف تقويض السيطرة الأمنية للمملكة وشل قدرات الرصد على طول خطوط التماس.
ونتيجة لهذا التنسيق، امتد العمل الاستخباراتي العابر للحدود إلى توظيف أدوات التلاعب بسيكولوجية الجماهير عبر الفضاء الأزرق والتطبيقات الرقمية المشفرة (خاصة مجموعات واتساب والمنصات الخوارزمية)؛ حيث رصدت اليقظة المعلوماتية حملة تعبئة رقمية مأجورة حصدت أكثر من 11 مليون تفاعل رقمي من حسابات وهمية تدار من حواضن معادية كالجزائر وغيرها. وجرى استغلال تطلعات الفئات الهشة وتوجيهها لحشد وتجميع جحافل الراغبين في العبور في نقاط تماس محددة وفي ظرف زمني قياسي، وهو التدفق الذي تواصلت محاولات إحيائه عبر نداءات مفبركة حددت مواعد لاحقة في غشت 2026 لضمان استمرار الاستنزاف.
وبالتالي، هدف هذا التجييش الرقمي المزدوج – الذي مزج بين الشيطنة المؤسساتية عبر ملف بيكاسوس والتلاعب السيكولوجي بالجماهير عبر التقاطع مع شبكات الجريمة المنظمة – إلى إحداث شلل عملياتي لدى أجهزة الرصد، وتصوير هذا التدفق البشري المصطنع والمنظم كأنه نتاج ابتزاز سياسي تمارسه الدولة المغربية تجاه جوارها الأوروبي، متجاهلة طابعه الكلي كاعتداء هجين منسق توظف فيه الهجرة غير النظامية كسلاح لاستنزاف المنظومة الأمنية القومية للمملكة المغربية والمملكة الإسبانية على حد سواء.
صناعة الملفات الحقوقية المفبركة وقضية علي المرابط
تكاملت الخطط السيبرانية الخارجية مع مناورة حقوقية وإعلامية ملغومة جرى تفعيلها انطلاقا من الأراضي الإسبانية، وتجلت بوضوح في محاولة صناعة قضية رأي عام دولي حول الصحفي علي المرابط المقيم في إسبانيا، حيث سعت الدوائر المعادية للمملكة إلى توظيف وضعيته القانونية والمهنية لخلق زوبعة حقوقية مفتعلة تتزامن بدقة مع الحملة الإعلامية الشرسة التي تستهدف مؤسسات المغرب السيادية.
وتكشف القراءة المعمقة لما وراء السطور أن الرهان الأساسي لتلك المنصات المشبوهة كان يرتكز بالكامل على محاولة الدفع باتجاه متابعته في حالة اعتقال عقب توقيفه في 12 يوليوز 2026 بمطار ابن بطوطة بطنجة تنفيذا لمذكرات البحث الصادرة في حقه، ومن ثم استغلال هذا الإجراء القضائي كورقة ضغط سياسي وإعلامي لتهييج الرأي العام الإسباني والأوروبي بشكل خاص.
وفي محاولة مكشوفة لخلط الأوراق وتدويل الملف، جرى استغلال توفره على الجنسية الفرنسية ووضعية الإقامة الدائمة في إسبانيا؛ بل إن المعني بالأمر حرص في تصريحاته لوسائل الإعلام على تقديم نفسه بصفة صحفي فرنسي يخاطب العالم من إسبانيا، سعيا وراء توفير حصانة أجنبية وهمية تحجب خلفيات الشكايات الجنائية المرتبطة بالقذف والتشهير الرقمي التي خضع بسببها للتحقيق تحت تدبير الحراسة النظرية بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية (BNPJ) بالدار البيضاء.
وقد تبخر هذا المخطط فور صدور قرار النيابة العامة في 15 يوليوز 2026 بمتابعة المعني بالأمر في حالة سراح، وهو ما أجهض غطاء الدعاية المضادة التي كانت تروم إحراج الرباط في التقارير الأممية وتكبيل يد الأجهزة الأمنية المغربية عن الرد الميداني الحازم لحماية الحدود بدعوى تكميم الأصوات المعارضة. بيد أن وضوح المقاربة القضائية والمؤسساتية الوطنية أفرغ هذا الابتزاز من محتواه، حارما المؤامرة من ذراعها الحمائي الرقمي في مواجهة اليقظة السيادية المستمرة للدولة.
تحذيرات الرباط الاستباقية وقراءة ارتدادات الأحكام القضائية
برز البعد الاستشرافي للمملكة المغربية من خلال قراءة إستراتيجية واعية ومبكرة لارتدادات القرار القضائي الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية؛ حيث وجهت الأجهزة السيادية الوطنية عبر قنوات التنسيق الرسمية تحذيرات صارمة ومسبقة لنظيرتها في مدريد، فور صدور ذلك الحكم الذي حد من إجراءات الترحيل الفوري المباشر للمهاجرين الواصلين سباحة. وفي هذا السياق، أثبتت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية كفاءتها العالية واحترافيتها المشهود لها دوليا في التقاط الإشارات الضمنية وتفكيك الشفرات الميدانية مبكرا، إذ رصدت مصالح اليقظة الارتدادية الوطنية تدفقات رقمية مريبة ومؤشرات حركية غير عادية، تؤكد شروع شبكات الاتجار بالبشر والدوائر الاستخباراتية الإقليمية المعادية في الاستثمار السريع في تلك الثغرات القانونية، وتأويل القرارات الإدارية بشكل مغرض وممنهج لبث شائعات موجهة توحي للشباب والراغبين في العبور بأن النفاذ سباحة بات يضمن الاستقرار الفوري فوق الأراضي الأوروبية دون تبعات زاجرة.
وارتباطا بهذا الحس الاستباقي، تتجلى القدرة التفوقية للمؤسسات السيادية المغربية في الانتقال الفوري والمحكم من مستوى الرصد التحليلي لمسارات التهديد إلى التدخل العملياتي الحاسم على الأرض؛ حيث توقعت الرؤية الأمنية الوطنية بدقة متناهية خلفيات التجييش الجاري ومخطط نقل صراع المضائق إلى عمق منطقة جبل طارق لتهديد حركة الملاحة والتجارة الدولية واستنزاف القدرات التشغيلية لحلف شمال الأطلسي في المحور المتوسطي-الأطلسي. وبناء عليه، وضعت الأجهزة السيادية العواصم الأوروبية ومدريد أمام مسؤولياتها الميدانية والأمنية عبر تقارير استخباراتية دقيقة كشفت الخريطة الزمانية والمكانية لعملية الحشد المرتقبة، مع رسم السيناريوهات النمطية للردع والتصدي قبل تحرك الموجات الأولى.
وتجاوزت الجاهزية المغربية حدود التنبيه والإنذار المبكر لتترجم في الميدان عبر الانتشار المحكم ووحدات التدخل السريع وإحكام النطاقات الأمنية المغلقة، مما سمح بالسيطرة التامة على نقط التماس وعزل التدفقات البشرية المصطنعة ومنع تفاقمها. وتجسدت هذه الكفاءة الاستثنائية للمنظومة الأمنية الوطنية في قدرتها الميدانية الفائقة على احتواء هذا الاجتياح البشري المنظم وتفكيك صدمته المباغتة، محققة إنهاء الأزمة برمتها في ظرف زمني قياسي لم يتجاوز 72 ساعة، وسط شلل كامل للآليات التي راهنت عليها الدوائر المعادية لإطالة أمد المواجهة واستنزاف المنظومة الوطنية.
وأكد هذا الحسم السريع التناغم القوي لدى الأجهزة السيادية المغربية بين قراءة ما وراء السطور التشريعية والقضائية في دول الجوار وتحويلها إلى إنذارات أمنية مبكرة، واكتناز جاهزية ميدانية واقتدار تشغيلي كفل تجريد الدوائر المح المحركة للمؤامرة من عنصر المفاجأة التكتيكية، وإرباك غرف عمليات الحرب الهجينة، محولة خطة مباغتة الحدود الشمالية للمملكة إلى مواجهة مكشوفة حسمت ميدانيا لصالح السيادة الوطنية والأمن الإقليمي.
في حين يشكل الحسم الميداني والمؤسساتي الذي أدارته الدولة المغربية إطارا حاسما في تعرية أبعاد الهحوم الهجين على نقاط العبور في سبتة و مليلية ، حيث جاء بلاغ وزارة الداخلية ليرسم الخطوط الفاصلة بين ممارسة السيادة الوطنية وحماية النظام العام وبين حزم الدولة في مواجهة صانعي الفوضى والترويج الرقمي الزائف. وقد وضع هذا البلاغ المحددات التأطيرية للتحرك الميداني، مؤكدا الالتزام الكامل بالقوانين الوطنية والشرعية الدولية في إدارة التدفقات البشرية، مع الإعلان الصريح عن استمرار المتابعات القضائية ضد الشبكات التي وقفت وراء التجييش والتضليل. ومن هذا المنطلق، فإن البيان الرسمي الصادر عن وزارة الداخلية قطع الطريق أمام محاولات التزييف، مكرسا حقيقة الشفافية المؤسساتية للرباط ودورها المسؤول في إحاطة الرأي العام الوطني والدولي بجميع تفاصيل الاعتداء وتفنيد الادعاءات المغرضة التي حاولت المساس بهيبة المؤسسات السيادية.
التورط الجزائري والتخادم الممتد من ميليشيا بوليساريو إلى اليمين المتطرف الإسباني
تتجلى الحقيقة العارية لهذه الحرب الهجينة في التورط المباشر والشامل للآلة الإعلامية والسيبرانية التابعة للمخابرات الجزائرية، والتي تحركت وفق خطة إستراتيجية لإدارة الضغط التكتيكي على الحدود الشمالية للمملكة. فقد سخرت الأجهزة الجزائرية ذراعها الانفصالي المتمثل في عناصر ميليشيات البوليساريو لتشغيل غرف عمليات رقمية متخصصة في ضخ مئات الآلاف من منشورات التضليل والفيديوهات المفبركة، والعمل على تضخيم الشائعات وتحديد نقاط التجميع الميداني. هذا الانخراط المباشر للماكينة الأمنية الجزائرية ووكلائها الإقليميين كشف عن رغبة يائسة في توظيف المأساة الإنسانية واستغلال اندفاع الشباب، لخلق أزمة أمنية وإنسانية معقدة تكسر هيبة المغرب وتظهره بمظهر العاجز عن ضبط حدوده.
وارتباطا بهذه المخططات التخريبية، تجاوز هذا التنسيق حدود الفضاء الرقمي المغاربي ليمتد مسببا تحالفا مشبوها ومباشرا مع أطراف السياسة الإسبانية في أقصى اليمين، وتحديداً عبر التقاطع المصلحي مع أطروحات حزب “فوكس” وحزب “سومار” و مجموعات يمبنية متطرفة. إذ عمدت الآلة السيبرانية الجزائرية إلى تغذية منصات هذه التيارات بالمعلومات المفبركة والمواد المصورة المضللة، لتزويدها بالمادة الخام اللازمة لمهاجمة حكومة بيدرو سانشيز والضغط عليها لإلغاء اعترافها بالتاريخية والمشروعية السيادية للمغرب على صحرائه. هذا التخادم الخفي أظهر تناقضاً صارخاً؛ حيث التقت أهداف المخابرات الجزائرية وميليشياتها مع أدبيات اليمين المتطرف الإسباني المشحون بالعداء للرباط، في محاولة مشتركة لإحداث شرخ عميق في جدار الثقة بين الرباط ومدريد وإعادة العلاقات الثنائية إلى مربع التوتر والتوجس.
ونتيجة لهذا الزواج المصلحي الملغوم، تحولت منصات التواصل الاجتماعي ومؤسسات الإعلام التابعة لهذه الأطراف إلى منابر موحدة لنشر الأخبار الزائفة وإثارة الهلع ومحاولة تأليب الشارع الإسباني والأوروبي ضد المملكة المغربية عبر تصوير الاجتياح كـ”غزو منظم” ترعاه الدولة المغربية. غير أن القراءة الاستخباراتية الدقيقة لمصالح اليقظة الوطنية نجحت في تفكيك هذا التقاطع المشبوه وتتبع الخيوط الممتدة من غرف المخابرات الجزائرية في تندوف والجزائر العاصمة وصولاً إلى المنصات السياسية المتطرفة في مدريد، مما سمح بكشف طبيعة هذه التآلفات التخريبية وإحداث حالة من الفشل الذريع للرواية المفبركة، ليتضح للعالم أجمع أن المغرب كان هدفاً لمؤامرة مركبة أدارتها المخابرات الجزائرية وتواطأت في تسويقها القوى المتطرفة عابرة الحدود.
الميدان ..سحق ساعة الصفر و تكريس معادلة الإستقرار
تجسد التحول الميداني العنيف صبيحة يوم الزحف الجماعي لعشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين صوب نقاط التماس في مشهد دراماتيكي سينمائي ومطبوخ بعناية، يستهدف كسر هيبة الدولة وإحداث شلل عملياتي تام في المحاور الإستراتيجية للثغور السليبة. غير أن الرد الحازم والصارم للمؤسسات السيادية الوطنية فكك المخطط الجيو-إستراتيجي المعادي في مهده، وتحول التنسيق الاستخباراتي والميداني اللحظي بين الرباط ومدريد إلى تحرك أمني كاسح ومطوق نجح في استيعاب الاجتياح البشري المنظم، وشل حركته التكتيكية، ثم إعادة الوضع إلى طبيعته النمطية بسرعة قياسية أبهرت المراقبين الدوليين وأربكت حسابات مخططي الفوضى.
وفي مواجهة هذه المناورات الرقمية والميدانية، تجلت نجاعة المنظومة الأمنية والعسكرية السيادية بالمملكة من خلال تعبئة شاملة وقراءة استباقية أدارتها المؤسسات السيادية الوطنية، وفي مقدمتها القوات المسلحة الملكية باعتبارها العين الساهرة للوطن والدرع الحصين لحماية الحدود السيادية والواجهات البحرية والبرية، حيث عملت بتناغم عملياتي مطلق مع الأجهزة الأمنية لصون الاستقرار القومي. إذ تولت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني شق الرصد الاستخباراتي المسبق وتفكيك الخيوط السيبرانية للتحريض الرقمي، بالتزامن مع التحركات الميدانية الصارمة للمديرية العامة للأمن الوطني التي أمنت المراكز الحضرية والمنافذ الاستراتيجية بمهنية عالية، واستكمالا لهذا التنسيق، فرضت قيادة الدرك الملكي حزاما أمنيا على طول المسالك القروية وخطوط التماس المحاذية للثغور، بينما قدمت عناصر القوات المساعدة خط الدفاع المباشر والصامد في الميدان لاستيعاب التدفقات البشرية وتجريدها من القوة الاندفاعية، وفي العمق الاستراتيجي، أدارت المديرية العامة للدراسات والمستندات شق اليقظة الخارجية وتفكيك امتدادات التآمر الإقليمي، ليثبت هذا التكامل المؤسساتي قدرة المغرب على حماية حدوده وإحباط سيناريوهات الاستنزاف في ظرف زمني قياسي، وبالموازاة مع هذا التفوق الميداني والعسكري، خاضت الدبلوماسية المغربية في الكواليس معارك حاسمة أدارتها الدوائر السيادية لقطع الطريق أمام أي استغلال سياسي دولي للأزمة، حيث تحركت الرباط عبر قنوات الاتصال المباشرة مع مدريد والعواصم الأوروبية المحورية و باقي الحلفاء و الشركاء لتوضيح الأبعاد الحقيقية للاعتداء الهجين ونزع التسييس عن الملف الإنساني، مع تكثيف التنسيق المباشر لإفشال محاولات القوى الإقليمية المعادية لتغيير بوصلة المواقف الغربية، وهو ما أثمر نجاح المملكة في تحييد الضغوط الخارجية وإجهاض مساعي تدويل الأزمة داخل المنظمات الدولية، وتثبيت الموقف المغربي القائم على حماية الأمن القومي المشترك وتأكيد الشراكة الاستراتيجية الصلبة مع الجوار الأوروبي.
وارتباطا بعمق الصدمة العملياتية التي تلقتها الدوائر الراعية للمؤامرة، تكشفت تفاصيل الهزيمة التكتيكية في الميدان عبر فشل سيناريو المباغتة الذي جرى الإعداد له في غرف التخطيط الهجين؛ إذ أبانت المنظومة الأمنية الوطنية عن قدرة استثنائية في إعادة توزيع الحزام الأمني وتجريد الكتلة البشرية الحاشدة من القوة الاندفاعية، تحسبا لأي سيناريو استنزافي طويل الأمد. وحقق هذا التحكم الميداني الصارم تحييد مخاطر الاختراق المباشر للسيادة الترابية بالتزامن مع إجهاض مخطط أخبث كان يروم توريط القوات العمومية في انزلاقات حقوقية صريحة تستغل فورا داخل أروقة الأمم المتحدة ووسائل الإعلام الغربية للتغطية على الحقيقة الساطعة للمؤامرة.
وعقب هذا الاندحار الميداني المهين وسحق محاولة الاختراق عند خطوط التماس، لجأت جهات مجهولة تابعة للدوائر الاستخباراتية المعادية إلى إطلاق دعوات ملغومة ومكثفة عبر الفضاء الرقمي والمنصات المشفرة، تروم حشد الجماهير لتنظيم وقفات احتجاجية متفرقة يوم الثامن من غشت المرتقب. وتشكل هذه الخطوة الارتدادية محاولة يائسة لنقل الفوضى من خطوط الحدود إلى العمق الداخلي للبلاد، وإشعال فتيل توتر اجتماعي مفتعل بغرض التغطية على فشل إنزال سبتة ومحاولة إنقاذ المخطط المنكسر من الإفلاس الكامل.
غير أن الرهان على تحريك الشارع الداخلي يصطدم برافعات الوعي الجمعي وصحوة المنظومة المجتمعية التي فككت الخلفيات المغرضة لهذه الدعوات المأجورة في مهدها. إن يقظة المؤسسات الوطنية وسهرها على أمن الوطن، بالتوازي مع التماس الصلب للجبهة الداخلية حول الثوابت الجامعة للأمة، كفيلان بتحويل مناورة الثامن من غشت إلى صفعة ارتدادية جديدة تسقط الأقنعة عن الذباب الإلكتروني والقوى المحركة له، وتثبت للعالم أجمع أن الدولة المغربية تمتلك مناعة سيادية وعقيدة أمنية عصية على الاختراق، معززة موقع المملكة كقوة إقليمية ضامنة للاستقرار وشريك موثوق يفرض قواعد اللعبة في حوض البحر الأبيض المتوسط.
السيناريوهات الجيوسياسية المستقبلية لتأمين المضيق :
ترسم تحولات الخريطة الأمنية في حوض الغرب المتوسطي بعد تحييد صدمة التدفقات الهجينة عند أسوار سبتة معالم مرحلة إستراتيجية جديدة تتداخل فيها الحسابات الإقليمية بالرهانات الأوروبية و الأطلسية، حيث تفرض المعطيات الميدانية والاستخباراتية الانتقال نحو استقراء مسارين مستقبليين يحددان ملامح التوازن الإستراتيجي واستقرار المنطقة:
السيناريو الأول: التصعيد المستمر والتربص التكتيكي:
يرجح هذا السيناريو اندفاع الدوائر الاستخباراتية المعادية نحو تكثيف أدوات الحرب غير المتماثلة عبر الاستثمار الهيكلي في شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود وعصابات الاتجار بالبشر. وفي هذا السياق، تتجه الماكينات الرقمية التابعة للمخابرات الجزائرية وحلفائها الإقليميين إلى استغلال بؤر الهشاشة الاجتماعية والتقلبات المناخية في فضاء الساحل وجنوب الصحراء، بغية شحن موجات ضغط بشرية متلاحقة وتوجيهها نحو خطوط التماس. كما يترافق هذا التحرك مع مراقبة حثيثة للتحولات التشريعية والقضائية داخل البيئة السياسية الإسبانية والأوروبية، لاقتناص أي ثغرة قانونية أو قرار إداري يتيح التوظيف السياسي السريع لإعادة إشعال بؤر التوتر الحدودية، واستهداف الجاهزية الميدانية للقوات العمومية المغربية عبر محاولات استنزاف متكررة.
وفي مقابل هذا المسار التصادمي الذي تحركه أجندات الإرباك الإقليمي، يبرز مسار آخر يفرض نفسه كضرورة جيو-إستراتيجية لحماية الأمن القومي المشترك.
السيناريو الثاني: مأسسة الشراكة والردع الإستراتيجي
يقوم هذا السيناريو على قناعة راسخة لدى مراكز القرار في مدريد ومختلف العواصم الأوروبية مفادها أن الأمن القومي الأوروبي يرتبط استراتيجيا بصلابة المنظومة الأمنية المغربية واقتدارها الميداني. وبناء على هذا الفهم العميق، يتجه المشهد الإقليمي نحو تسريع الانتقال من أطر التنسيق الأمني اللحظي إلى مأسسة شراكة إستراتيجية شاملة ومستدامة بين الرباط ومدريد. وتتضمن هذه الشراكة المتقدمة تطوير بروتوكولات تبادل البيانات الاستخباراتية في الوقت الفعلي، وتحديث آليات المراقبة الجوية والبحرية والبرية على طول مقاطع التماس الحساسة، بالتوازي مع تشديد الخناق على شبكات التهريب والواجهات الإعلامية الداعمة لها. وبذلك، يرسخ هذا المسار موقع المملكة المغربية كقاطرة أمنية وفاعل إستراتيجي محوري لا غنى عنه لصون الاستقرار في حوض البحر الأبيض المتوسط والواجهة الأطلسية.
تفكيك الاختلالات الداخلية ومسؤولية الفاعل السياسي والمجتمع المدني :
وبموازاة هذه التفاعلات الجيوسياسية، تبرز الأسباب الداخلية لأحداث سبتة ومليلية كعوامل متعددة ومتداخلة تنطلق من عمق المشهد الوطني، حيث يتكشف العجز البنيوي للطبقة السياسية والهياكل الحزبية في بلورة تصور تنموي يواكب الإيقاع السريع والمشاريع الإستراتيجية الكبرى التي تقودها المؤسسة الملكية. ويرجع هذا التعثر الميداني إلى انغماس العديد من الأحزاب وتنظيمات المجتمع المدني في مستنقع الفساد وتكريس منطق المحاصصة وتغليب الحسابات الانتخابية الضيقة، مما أدى إلى تآكل الأدوار التأطيرية وتراجع ثقة المواطن في مؤسسات الوساطة السياسية والاجتماعية.
وفي المقابل، تبرز الرؤية المتبصرة للمؤسسة الملكية وحرصها الدائم على جعل النهوض بالعنصر البشري وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية في صدارة الأولويات الوطنية، من خلال المبادرات التنموية الملكية السامية والبرامج الاستثمارية المهيكلة التي تروم العناية بفئة الشباب وتوفير الفرص التنموية الواعدة. غير أن الفجوة التنفيذية الناتجة عن تقاعس الفاعلين السياسيين والمدنيين عن مواكبة هذا الزخم الملكي أوجدت بيئة اجتماعية هشة، سارعت الدوائر الاستخباراتية الخارجية إلى استغلالها لتوجيه الاحتقان واستغلال اندفاع الشباب نحو خطوط التماس. وعليه، فإن الرعاية الملكية السامية وحرص المؤسسة الملكية المستمر على صون الكرامة الوطنية وحماية الاستقرار القومي يشكلان الدافع الأساسي لإعادة هيكلة المشهد السياسي الداخلي وتطهيره من الممارسات العقيمة، وتجديد أدوار الفاعل الحزبي والمدني، بما يضمن تحصين الجبهة الوطنية وتدعيم المكتسبات التنموية والدبلوماسية للمملكة.
ختاما أثبتت الملحمة الميدانية والأمنية التي شهدتها نقاط العبور في شمال للمملكة أن المغرب ظل شريكا إستراتيجيا موثوقا ومستهدفا رئيسيا من مخططات مركبة أدارتها غرف عمليات أجنبية سعت إلى استغلال الملفات الاجتماعية والإنسانية لتحقيق مآرب جيوسياسية ضيقة، مع تجريده التام من ادعاءات افتعال الأزمات الإنسانية على حدود الجوار الأوروبي. لقد توهمت الدوائر المعادية أن خيار الحروب الناعمة للهجمات الرقمية المركبة قادر على إرباك مراكز القرار السيادي أو إحداث شلل في أجهزة الدولة، لكنها اصطدمت ببراعة عملياتية واقتدار استخباراتي حسم المواجهة في ظرف زمني قياسي وأجهض غايات المؤامرة في مهدها.
إن الدرس البليغ الذي أفرزته هذه المحنة أظهر من جديد أن الصخرة الصلبة التي تتكسر عليها كل الأجندات التخريبية في المتوسط والأطلسي هي التلاحم العضوي والجامع بين العرش والشعب، والالتفاف الشعبي المبدئي حول المؤسسة الملكية بصفتها رمز السيادة الوطنية وضامن الوحدة الترابية والاستقرار الإستراتيجي. لقد خرجت المملكة المغربية من هذه المواجهة الهجينة أكثر قوة وصلابة، وأثبتت لحلفائها وأعدائها على حد سواء أن هيبة الدولة والمصالم العليا للأمة خطوط حمراء تحميها يقظة مؤسسات سيادية راسخة ووعي مجتمعي متين عصي على الاختراق.

