اختتمت إسبانيا والمغرب، اليوم الخميس في مدريد، أعمال الدورة الثالثة عشرة للاجتماع رفيع المستوى، بتكريس تحالف استراتيجي شامل يجمع بين دعم سياسي صريح لمغربية الصحراء، وتعاون اقتصادي يهدف إلى خلق “تكامل صناعي” لمواجهة تحديات المناخ والطاقة، مع التطلع المشترك نحو الأسواق الإفريقية واللاتينية.
وفي خطوة تعكس عمق التقارب السياسي، أشادت الحكومة الإسبانية في البيان الختامي بمصادقة مجلس الأمن الدولي في 31 أكتوبر 2025 على القرار رقم 2797.
واعتبرت مدريد أن هذا القرار الأممي يرسخ القناعة بأن “حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية هو الحل الأكثر قابلية للتطبيق” لإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء الغربية.
وجددت إسبانيا التزامها بالموقف الذي أسس لمرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، والمنبثق عن الإعلان المشترك في 7 أبريل 2022، مؤكدة دعمها الكامل لجهود الأمم المتحدة ومبعوثها الشخصي للدفع بالعملية السياسية بناء على المقترح المغربي.
شراكة اقتصادية بمواصفات جيوسياسية
لم تقتصر القمة على الشق السياسي، بل سبقتها دينامية اقتصادية مكثفة تجسدت في منتدى اقتصادي رفيع المستوى نظمه الاتحاد الإسباني لمنظمات الأعمال (CEOE) والاتحاد العام لمقاولات المغرب (CGEM).
وشكل هذا اللقاء، الذي حضره نخبة من الفاعلين الاقتصاديين، منصة لرسم معالم “تكامل استراتيجي” يتجاوز التبادل التجاري التقليدي.
وفي هذا السياق، ركزت المباحثات على قطاعات حيوية تفرضها التحديات العالمية الراهنة، وفي مقدمتها الأمن المائي والطاقي.
وأكد علي صديقي، المدير العام للوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات، أن البلدين يواجهان “تكاملا في مستويات المخاطر” المناخية، مشيرا إلى أن المغرب أطلق برنامجا طموحا لإنشاء 22 محطة لتحلية مياه البحر، وهو ورش ضخم يفتح الباب واسعا أمام الخبرة الإسبانية الرائدة في مجال البنى التحتية المائية، وفق ما أكده جوليان نونييز، نائب رئيس الاتحاد الإسباني لمنظمات الأعمال.
وعلى صعيد الطاقة، شدد أحمد نقوش، نائب رئيس فيدرالية الطاقة، على العمق التاريخي للربط الكهربائي والغازي بين البلدين، لافتا إلى أن السوق المغربية باتت تجتذب صناديق استثمار دولية وفاعلين إسبان بفضل مشاريعها الهيكلية في الطاقات المتجددة.
صناعة السيارات والربط القاري
وفي قطاع التنقل، برز توافق على ضرورة مواءمة سلاسل القيمة الصناعية. وأوضح الجانب المغربي أن تطور صناعة السيارات في المملكة ينسجم تماما مع التحول الأوروبي نحو المركبات الكهربائية، مما يتيح فرصا لإنتاج مشترك لسيارات تنافسية ومتاحة للجميع.
وامتد الطموح المشترك ليشمل البعد الجيو-ستراتيجي، حيث يسعى البلدان للعب دور “الجسور القارية”.
وأكد مهدي التازي، نائب رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب، أن البنية التحتية المينائية للمملكة، ممثلة في “طنجة المتوسط” و”الناظور غرب المتوسط” ومشروع “الداخلة الأطلسي”، تشكل منصات لوجستية حاسمة لربط أوروبا بإفريقيا.
في المقابل، عرض نارسيسو كاسادو، الكاتب الدائم للمجلس المقاولاتي الإيبيرو-أمريكي، إمكانيات إسبانيا كبوابة للمغرب نحو أسواق أمريكا اللاتينية، مشيدا بصفة المغرب كعضو ملاحظ في “تحالف المحيط الهادئ”، مما يعزز دوره كحلقة وصل طبيعية بين الفضاءين الإيبيرو-أمريكي والإفريقي.
إشادة بالإصلاحات الملكية والدور الإقليمي
وفي الشق المتعلق بالسياسات الداخلية والخارجية، نوه الإعلان المشترك بـ”الإصلاحات الطموحة” التي يقودها الملك محمد السادس، مبرزا أهمية “النموذج التنموي الجديد” وورش تعميم الحماية الاجتماعية كركائز لتحديث المملكة.
كما ثمنت مدريد المبادرات الملكية الاستراتيجية تجاه القارة السمراء، وتحديداً مبادرة الدول الإفريقية الأطلسية، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي، والمبادرة الرامية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، معتبرة أن هذه الخطوات تعزز الاستقرار والازدهار في المنطقة.
وفي ختام البيان، أشادت إسبانيا بالدور “الثابت والمتوازن” للمغرب في الشرق الأوسط، منوهة بجهود الملك محمد السادس، بصفته رئيسا للجنة القدس، في الدفاع عن الوضع القانوني والتاريخي للمدينة المقدسة ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

