في مواجهة الموقف الأمريكي الواضح والداعم لمغربية الصحراء، تلتزم الجزائر صمتا مثيرا للشفقة، يعكس هشاشة خطابها العدائي للمغرب، ويكشف في الوقت ذاته عن فراغها الدبلوماسي حين يتعلق الأمر بقوة حقيقية مثل الولايات المتحدة.
ولا يجد النظام العسكري، الذي بنى دعايته لعقود على الشعارات الثورية والمعاداة المطلقة لـ”الإمبريالية”، حرجا اليوم في بلع لسانه، والتغاضي عن أكبر صفعة دبلوماسية وجهت لأطروحته الانفصالية.
فمنذ اعتراف واشنطن، منذ العهدة الاولى لولاية الرئيس ترامب بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، اكتفت الجزائر بمراقبة المشهد بصمت العاجز، دون أن تجرؤ حتى على استدعاء السفير أو إصدار بيان يرقى إلى حجم الحدث.
بلد يفتعل الأزمات مع مدريد على موقف سياسي، ويتوعد باريس عند أول احتكاك إعلامي، لكنه يتحول إلى نمر من ورق أمام واشنطن. هذه ليست براغماتية، بل خضوع مطلق يكشف أن كل صراخ الجزائر ليس سوى ضوضاء فارغة لا تصمد أمام أول اختبار حقيقي.
وهكذا تُحجم الجزائر، التي لم تتردد في افتعال أزمة دبلوماسية شاملة مع إسبانيا، وشن حملة عنيفة ضد فرنسا على خلفية ملفات قديمة وجديدة، أمام الولايات المتحدة رغم أن موقف الأخيرة أكثر وضوحا وأشد وقعًا.
لماذا؟ لأن النظام الجزائري يدرك أن التصعيد مع أمريكا قد يكلفه أكثر مما يحتمل. فواشنطن ليست مدريد ولا باريس، ومصالح النظام – الاقتصادية والأمنية وحتى السياسية – باتت متشابكة مع مصالح أمريكا إلى درجة تمنعه من اتخاذ أي خطوة سيادية حقيقية.
هذا السلوك يكشف أن ما تسميه الجزائر “مواقف مبدئية” ما هو إلا وهم تسويقي. فعندما يتعلق الأمر بقوة يُخشى ردها، تتحول الشعارات إلى همسات، والمواقف إلى تنازلات.
أما حين يتعلق الأمر بجار مغربي يتقدم بثبات على كل الأصعدة، أو بدولة أوروبية تعتمد الجزائر على طاقتها، تعود آلة التهديد والوعيد إلى الدوران، وكأن النظام لا يملك سوى خصومات انتقائية يخوضها حيث يعتقد أن الثمن سيكون أقل.
لقد أضحى الخطاب الجزائري حول الصحراء المغربية معزولا، مثيرا للشفقة في المحافل الدولية، لا يتبناه إلا من يدور في فلكه الإيديولوجي القديم.
وفي المقابل، يحقق المغرب اختراقات استراتيجية، بدعم من قوى كبرى على رأسها الولايات المتحدة. لكن بدل أن تواجه الجزائر هذا التحول برؤية جديدة أو مراجعة لأخطائها التاريخية، تفضل التواري خلف أسطوانة المؤامرات الغربية والتواطؤ الأممي، وهي أسطوانة لم تعد تقنع حتى الرأي العام الداخلي.
وهكذا يبقى النظام الجزائري محاصرًا بتناقضاته. نظام يدّعي السيادة الكاملة، لكنه يرتعد أمام البيت الأبيض. يدعي الدفاع عن “حق الشعوب في تقرير المصير”، لكنه يسحق أي محاولة داخلية لمجرد التعبير. يعادي المغرب لأنه اختار طريق التنمية والشراكات الاستراتيجية، ويخاصم أوروبا لأنه فشل في فرض رؤيته المتجاوزة. لكنه حين يتعلق الأمر بأمريكا، يختار الخضوع، في مشهد لم يعد حتى مضحكا… بل مثيرا للشفقة.


