لم يكن إسدال الستار على منافسات كأس أمم إفريقيا 2025 في المغرب مجرد نهاية لحدث رياضي، بل كان إعلانا صارخا عن عمق الهوة الحضارية التي باتت تفصل بين ضفتين: ضفة تمضي بثبات نحو المستقبل، وضفة أخرى قرر نظامها السياسي أن يحنط نفسه في أقبية الستينيات.
لقد قدم المغرب درسا بليغا في “دبلوماسية الملاعب”، متجاوزا فخاخ الاستفزاز، وفاتحا ذراعيه بترفّع الواثق، غير أن هذا السلوك المدني لم يزد النظام في الجزائر إلا سعارا، كاشفا عن عورات نسق سياسي يعيش أزمة وجودية، ولا يتنفس إلا عبر رئة “العدو الخارجي”.
ما حدث عقب إقصاء المنتخب الجزائري لم يكن غضبا كرويا، بل كان عملية “تنفيس سياسي” ممنهجة أدارتها آلة دعائية صدئة. فقد تحول الإخفاق الرياضي، بقدرة قادر، إلى مؤامرة كونية، في مشهد سريالي يعكس بؤس نظام عسكري شاخ في مكانه، ولم يعد يملك ما يقدمه لشعبه سوى “البعبع المغربي” لتبرير فشله الداخلي المتراكم.
إن الهستيريا التي اجتاحت المنابر الإعلامية المحسوبة على السلطة هناك ليست إلا صدى لإفلاس نظام يعجز عن مواجهة صور التنمية والنجاح التنظيمي لدى جاره الغربي، لأن هذا النجاح يعريه أمام مواطنيه، ويسقط سرديته المتهالكة عن “القوة الضاربة” التي لا وجود لها إلا في البيانات الرسمية.
إننا لسنا أمام خصومة عادية، بل أمام حالة مرضية مزمنة لنظام استبدل العقل السياسي بالهوس الأمني، وحول عقيدة العداء للمغرب إلى “دين رسمي” للدولة، يوالي عليه ويعادي.
لقد أثبتت هذه البطولة أن الجار الشرقي لا يدار بمنطق الدول، بل بمنطق الثكنة التي ترى في كل ابتسامة استفزازا، وفي كل إنجاز مغربي تهديدا لأمنها القومي الهش. إنه نظام يقتات على الأزمات، ويستثمر في الكراهية، لأنه يدرك يقينا أن استقرار المنطقة وانفتاح الحدود يعنيان نهايته الحتمية، فسقوط جدران الوهم سيكشف للشعب الجزائري حجم التخلف الذي فرض عليه باسم شعارات ثورية أكل عليها الدهر وشرب.
هنا تستعيد عبارة المرحوم الحسن الثاني، “ليعلم الناس مع من حشرنا الله في الجوار”، راهنيتها المخيفة. فلم يكن الراحل يصف جغرافية صماء، بل كان يشرح مأساة جوار مع نظام يفتقد للشرعية الديمقراطية، فيستعيض عنها بصناعة خصوم وهميين.
إن تحويل خسارة مباراة كرة قدم إلى أزمة دبلوماسية وحملة شيطنة، هو دليل قاطع على أن هذا النظام قد وصل إلى مرحلة “الانتحار الأخلاقي”، حيث لم تعد لديه أي كوابح تمنعه من تسميم عقول الأجيال الصاعدة وتفخيخ مستقبل المنطقة برمتها، فقط ليضمن بقاءه في السلطة يوما آخر.
لقد خرج المغرب من هذه البطولة منتصرا بصورته وبنيانه، بينما خرج النظام الجزائري عاريا إلا من أحقاده.
والدرس القاسي الذي يجب أن يُفهم جيدا هو أن مشكلة المنطقة ليست في الشعوب، ولا في التاريخ، بل في نظام وظيفي يرى في النور خطرا، وفي الجوار عبئا، وفي الأخوة كابوسا يهدد عروشه الواهية، وهو ما يجعل الصبر الاستراتيجي معه خيارا صعبا، لكنه الخيار الوحيد لكشف سوأته أمام العالم وأمام شعبه أولا.

