تتجاوز أي مواجهة كروية بين المغرب وفرنسا حدود الملعب. فحين يتعلق الأمر بمنتخبين يحملان تاريخا مشتركا، وجالية واسعة، وأسئلة الهوية والانتماء، لا تبقى المباراة حدثا رياضيا صرفا.
ويطرح احتمال حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمباراة جديدة بين “أسود الأطلس” و”الديوك” سؤالا سياسيا بامتياز. هل يتعلق الأمر بتشجيع منتخب بلاده فقط، أم بمحاولة استثمار لحظة كروية ذات حمولة رمزية عالية؟
في كأس العالم 2022 بقطر، حضر ماكرون مواجهة المغرب وفرنسا في نصف النهائي. لم يكن حضوره عاديا، فقد ظهر في المدرجات، وفي الكواليس، وقرب اللاعبين، وتحول إلى جزء من القصة الإعلامية للمباراة. لذلك يعود السؤال اليوم بقوة، خاصة إذا قرر الرئيس الفرنسي تكرار المشهد فوق أرض أمريكية.
فرنسا تدرك حساسية هذا النوع من المباريات. فالمغرب ليس خصما رياضيا عاديا بالنسبة إليها. هناك تاريخ الحماية، والهجرة، والجالية المغربية في المدن الفرنسية، وأجيال تعيش بين انتماءين، وتشجع أحيانا المنتخبين معا.
من هنا، يصبح حضور ماكرون رسالة موجهة إلى أكثر من طرف. فهو يخاطب الداخل الفرنسي، والجالية المغربية، والرباط، والشركاء الدوليين، وكل من يراقب موقع فرنسا في جنوب المتوسط وإفريقيا.
وقد يسعى الرئيس الفرنسي، في حال حضوره، إلى تقديم صورة عن “الصداقة بين الشعبين” و”العيش المشترك”. لكنه سيواجه في الوقت نفسه قراءة أخرى ترى في حضوره محاولة للسيطرة على سردية المباراة، ومنع تحويلها إلى مواجهة هوياتية أو سياسية من طرف خصومه.
وتأتي هذه الفرضية في سياق دولي مختلف عن 2022. فالمباراة، إن جرت فوق أرض أمريكية، ستمنح الحدث بعدا أوسع، بحضور جاليات عربية ومغاربية، ووسط تنافس دولي على النفوذ في شمال إفريقيا والساحل.
داخليا، يواجه ماكرون دائما سؤال توظيف الرياضة. ففي 2018، بدت صورته مع تتويج فرنسا في موسكو مقبولة لدى جزء واسع من الفرنسيين. أما في 2022، فقد أثار حضوره المكثف جدلا حول حدود استثمار الفرح الجماعي في السياسة.
لذلك، لن يكون السؤال هذه المرة عن مقعد في المدرجات فقط، بل عن موقع الرئيس الفرنسي داخل الصورة. هل سيحضر كمشجع عادي، أم سيعيد إنتاج مشهد سياسي سبق أن جربه في قطر؟
مهما كانت النتيجة داخل الملعب، فإن مباراة المغرب وفرنسا لن تُقرأ بوصفها تسعين دقيقة فقط. إنها مواجهة تحمل تاريخا وذاكرة وجالية ومصالح. وإذا حضر ماكرون، فسيصبح حضوره جزءا من المباراة بقدر ما يصبح أداؤه السياسي موضوعا للتأويل.

