لم يحتج الدولي المغربي عز الدين أوناحي إلى سنوات طويلة لفرض اسمه على الساحة الكروية العالمية، إذ كانت مشاركته في نهائيات كأس العالم قطر 2022 كافية لتحويله إلى أحد أبرز اكتشافات البطولة، بعدما لفت الأنظار بأدائه المميز، خاصة في مواجهة إسبانيا ضمن الدور ثمن النهائي، حين أثار إعجاب المدرب الإسباني لويس إنريكي الذي تساءل عقب المباراة: “من أين أتى هذا الفتى؟”، في عبارة تحولت إلى عنوان لمسيرة لاعب شق طريقه من ملاعب الأحياء الشعبية في الدار البيضاء إلى أكبر المسارح الكروية.
وولد أوناحي في 19 أبريل 2000 بمدينة الدار البيضاء، ونشأ في حي للا مريم داخل أسرة ارتبطت بالرياضة وكرة القدم. وكان والده من عشاق الرياضة، فيما مارس شقيقاه كرة القدم، وخاض أحدهما تجربة احترافية، بينما سبق لعمه أن حمل قميص الرجاء الرياضي قبل أن تنهي الإصابة مشواره مبكرا، وهي البيئة التي غذت شغف اللاعب بالكرة منذ سنواته الأولى.
وبدأ أوناحي ممارسة كرة القدم في سن الخامسة داخل فريق درب كوزموس بحي سيدي عثمان، قبل أن يصقل موهبته في ملاعب الأحياء الشعبية، حيث اعتاد مواجهة لاعبين أكبر منه سنا، مستندا إلى مهاراته الفنية وسرعة تحركاته. وسرعان ما استرعى انتباه مكتشفي المواهب، لينتقل إلى أكاديمية محلية، ثم إلى مدرسة الرجاء الرياضي وهو في العاشرة من عمره.
وتواصلت رحلة التكوين عبر عدة محطات، إذ لعب لفريق ميروفوت، وشارك في بطولة “دانون ناشونز كاب” مع فئة أقل من 13 سنة، قبل أن يلتحق عام 2015 بأكاديمية محمد السادس لكرة القدم بمدينة سلا، حيث تلقى تكوينا احترافيا جمع بين الدراسة والإعداد الرياضي، إلى جانب نخبة من أبرز المواهب المغربية.
وشكلت فرنسا أول محطة احترافية في مسيرته، بعدما انضم سنة 2018 إلى الفريق الرديف لنادي ستراسبورغ، ثم انتقل إلى نادي أفرانش، حيث فرض نفسه أحد أبرز لاعبي الوسط في دوري الدرجة الثالثة. وأثمر تطوره انتقاله إلى أنجيه عام 2021، إذ سجل حضورا قويا منذ مباراته الأولى في الدوري الفرنسي، عندما هز الشباك أمام أولمبيك ليون وساهم في فوز فريقه بثلاثية نظيفة.
وجاءت نقطة التحول الكبرى في مشواره خلال كأس العالم قطر 2022، حين تحول إلى أحد أبرز نجوم المنتخب المغربي بفضل قدرته على التحكم في إيقاع اللعب، ودقة تمريراته، وتحركاته الذكية بين الخطوط. وكان أداؤه أمام المنتخب الإسباني من أبرز محطات البطولة، ليحظى بإشادة واسعة من المتابعين والخبراء، قبل أن يسهم في بلوغ “أسود الأطلس” نصف نهائي كأس العالم لأول مرة في تاريخ كرة القدم الإفريقية والعربية.
وأثمرت تلك المستويات انتقاله إلى أولمبيك مارسيليا في يناير 2023 مقابل نحو عشرة ملايين يورو، قبل أن يخوض تجربة إعارة مع باناثينايكوس اليوناني، ثم ينتقل إلى جيرونا الإسباني، حيث واصل استعادة أفضل مستوياته وتأكيد مكانته بين أبرز لاعبي الوسط المغاربة في أوروبا.
وعلى الصعيد الشخصي، عرف أوناحي بحرصه على الابتعاد عن الأضواء خارج المستطيل الأخضر، إذ يؤكد باستمرار ارتباطه الوثيق بعائلته واعتزازه بمدينة الدار البيضاء التي شهدت بداياته الكروية، رغم التجارب الاحترافية التي خاضها خارج المغرب.
وفي نهائيات كأس العالم 2026، واصل أوناحي تأكيد قيمته داخل صفوف المنتخب المغربي، بعدما لعب دورا بارزا في مشوار “أسود الأطلس”، وقدم واحدة من أفضل مبارياته أمام المنتخب الكندي في الدور ثمن النهائي، بتسجيله هدفين قادا المنتخب الوطني إلى الفوز وبلوغ الدور ربع النهائي للمرة الثانية على التوالي.
ولم يقتصر إنجاز لاعب الوسط المغربي على المساهمة في التأهل، بل دخل سجلات التاريخ بعدما أصبح أول لاعب مغربي يسجل هدفين في مباراة واحدة ضمن الأدوار الإقصائية لكأس العالم، ورابع لاعب إفريقي يحقق هذا الإنجاز، ليواصل كتابة فصول جديدة من مسيرة بدأت في ملاعب الأحياء الشعبية، وتحولت إلى واحدة من أبرز قصص النجاح في كرة القدم المغربية.

