يواصل النظام الجزائري ترديد نفس الأسطوانة المشروخة التي استهلكها على مدى عقود: تقديم نفسه كمدافع شرس عن القضية الفلسطينية، بينما لا يقدم لها سوى خطب حماسية ومزايدات جوفاء، لا أثر لها في الواقع.
ويعكس المقال الذي نشرته صحيفة الشروق، لسان حال العسكر الجزائري، بوضوح هذا النمط الدعائي، حيث يعمد النظام إلى شيطنة الجميع، وادعاء البطولة، وتصوير نفسه كآخر حصن للمقاومة، بينما الحقيقة أنه لم يقدم شيئًا يذكر سوى المتاجرة الإعلامية بالقضية الفلسطينية، في محاولة بائسة للتغطية على عزلته الإقليمية وإخفاقاته المتوالية.
وفي كل مرة يجد النظام الجزائري نفسه في موقف حرج، يلجأ إلى أرشيفه لينبش أحداثًا تاريخية يسوقها كدليل على “التزامه الثابت” بالقضية الفلسطينية.
في مقاله، يتحدث إعلام العسكر عن استضافة ياسر عرفات عام 1974، وكأن هذا الحدث يمنح الجزائر صك ملكية للقضية الفلسطينية مدى الحياة! كما يستحضر إعلان استقلال فلسطين في الجزائر عام 1988، متجاهلًا أن هذا الإعلان لم يغير شيئًا في الواقع السياسي، ولم يؤدِ إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
ويحاول النظام الجزائري ترسيخ صورة متخيلة عن نفسه كحاضن للمقاومة، في حين أن مواقفه على الأرض لا تتجاوز الخطب الجوفاء والبيانات الإنشائية.
ويواصل المقال النهج المعتاد في الخطاب الرسمي الجزائري، إذ يهاجم الدول العربية التي تتحرك فعليا لدعم الفلسطينيين، متهمًا إياها بالمؤامرة والخيانة، بينما يتجاهل الدور الحقيقي لهذه الدول في تقديم الدعم السياسي والمالي واللوجستي للفلسطينيين، سواء في غزة أو في الضفة الغربية.
بل إن النظام الجزائري يتعامى عن المبادرات الفعلية التي أنقذت أرواح الفلسطينيين عبر الوساطات الدبلوماسية، ويكتفي بتقديم نفسه كمجرد “صوت مرتفع” في المحافل الدولية، دون أي قدرة فعلية على التأثير في القرارات الكبرى.
ومن الواضح أن الجزائر تعاني من أزمة هوية سياسية عميقة تدفعها إلى استغلال القضية الفلسطينية كغطاء لفشلها الداخلي وعزلتها الإقليمية.
فبعدما فقدت أي نفوذ حقيقي في القضايا العربية الكبرى، لم يتبقَ لها سوى المزايدة الإعلامية واستعراض بطولات وهمية لا تجد صدى إلا في إعلامها الموجه.
والمثير أن النظام الذي يدّعي رفض التطبيع والتآمر، هو نفسه الذي يحتفظ بقنوات اتصال غير معلنة مع أطراف دولية تسعى لإعادة رسم الخارطة السياسية للمنطقة، لكنه يخشى الاعتراف بذلك حتى لا تنهار صورة “النظام الثوري” التي يحاول ترويجها.
محاولة النظام الجزائري تصوير قمة الجزائر 2022 على أنها نقطة تحول في القضية الفلسطينية هي مجرد وهم آخر يضاف إلى سلسلة الأوهام الدعائية التي يسوّقها العسكر لشعبه.
فالمصالحة الفلسطينية التي زعم النظام أنه رعاها لم تترجم إلى أي خطوات عملية، ولم تُفضِ إلى انتخابات أو توحيد الصف الفلسطيني، وهو ما يؤكد أن المبادرة لم تكن سوى استعراض دبلوماسي فاشل، سرعان ما طوته الأحداث المتسارعة على الأرض.
لكن بدلا من الاعتراف بالفشل، يفضل النظام الجزائري إلقاء اللوم على “جهات عربية” غير محددة، في محاولة للهروب من الواقع الذي يؤكد أن الجزائر لم تعد تمتلك أي وزن حقيقي في المعادلة الفلسطينية.
واللافت أن المقال الذي نشرته صحيفة الشروق لم يأتِ على ذكر أي دعم مالي أو لوجستي قدمته الجزائر للفلسطينيين مؤخرًا، لأنه ببساطة لا يوجد شيء يُذكر.
وبينما تسارع دول عربية إلى تقديم الدعم الفعلي لغزة في ظل العدوان الإسرائيلي المتكرر، تكتفي الجزائر بإصدار بيانات الشجب والاستنكار، وكأن ذلك سيغير شيئًا من المعاناة اليومية التي يعيشها الفلسطينيون.
والأدهى أن النظام الجزائري، بدلا من دعم الجهود العربية الرامية إلى حماية الفلسطينيين، يهاجم هذه الدول ويتهمها بالتآمر، متناسيًا أن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى خطابات جوفاء، بل إلى خطوات عملية على الأرض.
النظام الجزائري الذي يزعم رفضه “للتوافقات التي تمت في الغرف المظلمة” هو نفسه الذي يحاول فرض وصايته على الفلسطينيين، ويتوهم أنه يملك وحده حق تقرير مصيرهم.
لكن الفلسطينيين، أكثر من أي وقت مضى، يدركون أن المزايدين الذين يتخذون من قضيتهم شعارا للاستهلاك الداخلي ليسوا سوى عبء على نضالهم، وأنهم ليسوا بحاجة إلى أنظمة تصفق لهم من بعيد، بل إلى شركاء حقيقيين يدعمونهم سياسيا واقتصاديا وأمنيا.
أما الشعارات الفارغة والمزايدات الإعلامية، فلم تعد تنطلي على أحد، سوى على أولئك الذين يعيشون في فقاعة الدعاية الرسمية لنظام يعيش على أمجاد الماضي، بينما يواجه الفشل في كل رهانات الحاضر.


