لم يعد هشام جيراندو مجرد يوتيوبر مثير للجدل، بل تحوّل إلى نموذج صارخ للابتزاز الرقمي العابر للحدود، وسط ملفات متشعبة تطاله داخل المغرب وخارجه.
فالرجل الذي قدّم نفسه طويلاً كـ”صوت حر” سرعان ما انكشف قناعه، بعدما برز اسمه في قضايا تتعلق بالتشهير والتواطؤ مع جهات خارجية، فضلا عن شبهات استغلال أفراد من عائلته في عمليات إلكترونية غير مشروعة.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن جيراندو ظل لسنوات يتخذ من كندا قاعدة خلفية لأنشطته، حيث بثّ عشرات الفيديوهات التي تستهدف مؤسسات مغربية ومسؤولين حكوميين، مستخدما أسلوبا هجوميّا يُوصف من طرف متابعين بأنه “ابتزاز موارب”.
وفي فبراير 2024، أدانته المحكمة العليا في كيبيك بتهمة “ازدراء المحكمة”، وفرضت عليه غرامة مالية رمزية اعتُبرت تمهيدا لمتابعات أوسع لاحقاً.
في موازاة ذلك، كانت السلطات المغربية قد اعتقلت أربعة من أقاربه في مارس 2025، بينهم فتاة قاصر، بعد الاشتباه في إدارتهم لحسابات رقمية تستعمل لأغراض التشهير والضغط والمساومة.
وبيّنت التحقيقات أن هؤلاء الأفراد كانوا على تواصل مباشر مع جيراندو، وينفذون تعليماته مقابل امتيازات مالية أو وعود بالهجرة.
ويُسجل المتابعون أن جيراندو ظل يردد في مقاطع الفيديو التي يبثها عبارته الشهيرة “تحياتي للشعب المعتقل”، في محاولة لتصوير الواقع المغربي باعتباره سجنا كبيرا، بينما تثبت الوقائع أن محيطه المباشر كان منخرطا في ممارسات تقع تحت طائلة القانون، من تشهير بالقاصرين إلى التورط في شبكات ابتزاز رقمي.
وتشير تحليلات تقنية إلى تطابق في الأسلوب والمصطلحات بين محتوى جيراندو ومنشورات تروجها منصات محسوبة على جبهة البوليساريو وبعض الوسائل الإعلامية الجزائرية، ما عزز من فرضية وجود تنسيق منظم. كما تحدثت تقارير عن استفادته من تحويلات مالية مشبوهة المصدر، تزامنت مع حملات منظمة ضد المغرب.
وقد زاد الهروب المفاجئ لهشام جيراندو من كندا من تعقيد الملف. إذ تؤكد مصادر إعلامية أن المعني بالأمر غادر الأراضي الكندية دون إعلان، واستقر مؤقتا في وجهة آسيوية يُرجح أنها إندونيسيا، في محاولة واضحة لتفادي أي تتبع قضائي محتمل، سواء من طرف السلطات الكندية أو نظيرتها المغربية.
وتُظهر مؤشرات أولية أن المعني لا يعتزم التوقف، بل يُعيد ترتيب نشاطه الرقمي من منطقة جديدة، بعيدة عن رقابة القضاء الكندي.
وتشير تحذيرات حقوقية إلى أن استمرار جيراندو في نشر ادعاءات مضللة دون محاسبة سيُشجع أنماطا مشابهة من “النضال الوهمي” الذي يخفي وراءه مصالح ضيقة وأجندات مأجورة.
ويطرح هذا الملف أسئلة جدية حول سبل مواجهة الابتزاز الإلكتروني العابر للقارات، خاصة حين يتعلق الأمر بمواطنين يستغلون هامش الحرية في دول الاستقبال للنيل من استقرار أوطانهم الأصلية.
كما يعيد النقاش حول الحاجة لتعاون قضائي أوسع بين الدول، لمواجهة ظواهر التشهير المنظم، وتوريط القاصرين في حملات رقمية موجهة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الجارية، يظل ملف هشام جيراندو مفتوحاً على جميع الاحتمالات، خصوصاً في ظل تزايد الأدلة الرقمية والمالية التي تربطه بشبكات منظمة تعمل على تقويض صورة المغرب في الخارج، وتستثمر في خطاب التشكيك والعداء بأدوات حديثة وواجهات مستترة.

