تجدّدت التساؤلات حول عبور شحنات عسكرية موجهة إلى إسرائيل عبر ميناء طنجة المتوسط، بعد تقارير أفادت بنقل شركة الشحن الدنماركية “ميرسك” مكونات لطائرات F-35 القتالية عبر المنصة المينائية المغربية، ما أثار ردود فعل من منظمات حقوقية طالبت بتوضيحات رسمية من الرباط.
وبحسب معطيات نُشرت على منصات تعقّب الشحن البحري، فإن الشحنة التي انطلقت من مصنع تابع لشركة “لوكهيد مارتن” في فورت وورث بولاية تكساس الأمريكية، تضمنت قطعا أساسية مخصصة للطائرة المقاتلة F-35، وقد مرت عبر ميناء طنجة المتوسط ضمن مسارها نحو إسرائيل، في إطار ما يُعرف بالعبور المؤقت أو النقل العابر (transit).
من جهتها، اعتبرت منظمات من بينها حركة “BDS” أن استخدام مرافئ مغربية في هذا السياق يثير “إشكالات أخلاقية وقانونية”، ودعت السلطات المغربية إلى “إجراء مراجعة دقيقة للأنشطة العابرة في الموانئ الوطنية”، محذّرة مما وصفته بـ”إقحام غير مباشر للمغرب في نزاعات لا تعكس توجهاته الرسمية”.
وردا على هذه الانتقادات، أفادت مصادر مقربة من الحكومة، أن “الموانئ المغربية، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، تشتغل وفق قواعد الملاحة التجارية الدولية”، مضيفاة أن “الشحنات التي تعبر التراب الوطني دون دخولها إلى السوق الوطنية لا تخضع عادة لمراقبة مفصّلة، لكونها لا تندرج ضمن صلاحيات التفتيش السيادي الكامل”. وأكد أن المملكة “تلتزم بالحياد في تدبير فضاءاتها التجارية، دون أن يشكل ذلك بأي حال انخراطاً مباشراً في أي نشاط عسكري”.
وليست هذه المرة الأولى التي يُثار فيها هذا النوع من القضايا، إذ سبق أن تم تداول تقارير مماثلة أواخر 2024، ما يعكس تنامي المطالب بزيادة الشفافية في ما يخص الشحنات العابرة ذات الطابع الحساس، في ظل تصاعد التوتر في الشرق الأوسط.
ويأتي هذا النقاش بينما تجدد الرباط في كل مناسبة موقفها الداعم لحل الدولتين ورفضها لأي مساس بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، مع تأكيدها في الآن ذاته على التزامها بقواعد القانون الدولي ومحددات السيادة الوطنية في ما يخص تدبير منشآتها اللوجستية.
ويُعتبر ميناء طنجة المتوسط أحد أبرز المراكز اللوجستية في البحر الأبيض المتوسط، ويستقبل سنويا ملايين الحاويات من مختلف دول العالم، ضمن منظومة عبور معقدة تُشرف عليها شركات شحن دولية كبرى.
وتشير بيانات رسمية إلى أن أكثر من 90 في المئة من الشحنات التي تمر عبر الميناء هي شحنات عابرة لا ترتبط بالسوق الداخلية المغربية، ما يجعل المراقبة المفصلة لكل حمولة تحدياً لوجستياً وقانونياً.
وفيما لم تُصدر شركة “ميرسك” أي توضيحات بخصوص الشحنة المثيرة للجدل، دعا نشطاء ومنظمات مدنية في كل من المغرب وخارجه إلى إرساء آليات تحقق مستقلة في نوعية المواد العابرة، وخاصة تلك التي ترتبط بصناعات عسكرية، لتفادي أي استغلال محتمل للموانئ في سياقات سياسية حساسة.
من جانب آخر، يرى محللون أن إثارة هذه المسألة تأتي في سياق إقليمي يتسم بتوتر العلاقات في الشرق الأوسط، وتحسّس الرأي العام الدولي من أي دعم لوجستي محتمل للعمليات العسكرية الجارية في غزة. ويعتبر هؤلاء أن استهداف المنصات المينائية المغربية في مثل هذه الملفات قد يحمل أبعاداً سياسية وإعلامية تتجاوز مجرد تساؤلات لوجستية.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الرباط دعمها الدائم لحقوق الشعب الفلسطيني، فإنها تشدد كذلك على موقعها كمنصة تجارية دولية منفتحة، تحرص على عدم تسييس مسارات العبور أو تقييد حركة التجارة البحرية بما يخالف الأعراف الدولية.
ويواصل ميناء طنجة المتوسط، رغم الجدل القائم، أداءه كأحد أكثر الموانئ الإفريقية نموا خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يجعله في صلب دينامية تجارية عالمية معقدة، تطرح تحديات متواصلة في ما يخص التوفيق بين السيادة الوطنية، الالتزامات التجارية، والضغوط السياسية المتعددة الأطراف.


