توصل المجاعة انتشارها في قطاع غزة بعدما بلغت مستويات كارثية، وفق ما اكدته تقارير دولية صدرت هذا الثلاثاء، محذرة من انهيار شامل في الأمن الغذائي وتزايد خطر الوفاة الجماعية، وسط حصار إسرائيلي خانق وقيود ممنهجة على دخول الغذاء والدواء.
وكشف تقييم جديد صادر عن مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للامن الغذائي، وهي آلية دولية معتمدة لدى وكالات الامم المتحدة، ان عشرات الاف الفلسطينيين في مدينة غزة وشمال القطاع يواجهون ظروفا تندرج تحت المرحلة الخامسة – الكارثية، وهي اعلى مستوى في سلم انعدام الامن الغذائي، مما يعني ان المجاعة اصبحت واقعا فعليا في بعض المناطق، مع مؤشرات مقلقة على اقترابها من التوسع.
واشار التقرير الى ان نصف مليون شخص على الاقل لم يعودوا قادرين على تأمين الحد الادنى من احتياجاتهم الغذائية، بسبب الندرة الشديدة في المواد الاساسية، وارتفاع أسعار ما تبقى منها الى مستويات غير مسبوقة، بالتزامن مع تآكل كلي لقدرة السكان على الشراء، وفقدان شبكات التوزيع والأسواق والمخازن.
وافادت منظمة الصحة العالمية بدورها ان عدد الوفيات المرتبطة بالجوع وسوء التغذية بلغ مئة وسبعا واربعين حالة منذ بدء الحرب، بينها تسعة وثمانون طفلا، مؤكدة تسجيل اربع عشرة وفاة خلال الساعات الاربع والعشرين الماضية فقط.
واشارت المنظمة الى ان هذه الارقام تمثل الحد الادنى، بسبب انقطاع خدمات الرصد الطبي في عدد من المناطق، وعدم قدرة فرقها على الوصول الى شمال القطاع.
وفي العيادات الميدانية التي اقيمت داخل مدارس وملاجئ مدمرة، تحدث اطباء عن تدفق مستمر لاطفال يعانون من ضمور حاد وفقدان للوعي بسبب نقص الغذاء، فيما تتحدث الامهات عن عجزهن عن تأمين وجبة واحدة في اليوم، او حليب للرضع منذ اسابيع.
رغم التصريحات الاسرائيلية بشأن ما تسميه “وقفات تكتيكية يومية” لإدخال المساعدات، تشير بيانات برنامج الاغذية العالمي الى ان المعدل اليومي للشاحنات التي تدخل غزة لا يتجاوز تسعين شاحنة، مقارنة باكثر من خمسمئة شاحنة كانت تدخل يوميا قبل الحرب، بينما يحتاج القطاع الى ما لا يقل عن سبعمئة شاحنة يوميا لتلبية الاحتياجات الاساسية وتفادي المجاعة.
وتؤكد وكالات انسانية ان اسرائيل تواصل عرقلة تدفق المساعدات عبر فرض قيود تعسفية على محتويات الشاحنات، ومنع دخول مواد اساسية مثل الخميرة والملح ومعدات الطهي.
كما تؤخر دخول الشاحنات لساعات طويلة في ظروف حرارة مرتفعة تؤدي الى تلف المواد الغذائية قبل وصولها الى مستحقيها، في وقت لا تتوفر فيه امكانيات التخزين او التبريد داخل القطاع.
على الارض، تتفاقم مؤشرات الانهيار الشامل: نفوق الماشية، جفاف خزانات المياه، توقف الافران، اختفاء الخضر من الاسواق، وانتشار امراض مرتبطة بسوء التغذية مثل فقر الدم والتقزم الحاد.
وفي شمال غزة، تؤكد تقارير اممية ان بعض الاسر تلجأ الى غلي الاعشاب البرية او استهلاك طعام منتهي الصلاحية للبقاء على قيد الحياة.
وصرّح رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل ايام انه “لا يوجد جائع واحد في غزة”، وهو ما وصفته وكالة اسوشييتد برس بانه “تصريح منفصل عن الواقع”، مشيرة الى ان بيانات الامم المتحدة ومنظمات الاغاثة تؤكد العكس تماما، وتوثق مجاعة متصاعدة تتسبب في وفيات يومية، خصوصا بين الاطفال.
يعتبر خبراء القانون الانساني الدولي ان ما يحدث يمثل تجويعا ممنهجا يرقى الى جريمة حرب. ويؤكدون ان الاحتلال يستخدم الغذاء كسلاح لإخضاع السكان، في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف، بينما تكتفي القوى الكبرى بالتعبير عن “القلق” دون خطوات ملموسة لفرض ممرات انسانية آمنة او آليات مراقبة مستقلة.
في غزة، لا تصل المساعدات الا ببطء شديد، ولا يتم توزيعها الا تحت القصف، ولا يتمكن معظم السكان من الوصول اليها اصلا. وعلى مدار الاشهر الماضية، قتل المئات اثناء محاولتهم الاقتراب من نقاط توزيع الغذاء، برصاص الجيش الاسرائيلي او بسبب التدافع واليأس. ومع تواصل تدمير البنية التحتية الزراعية، واستهداف المنشآت الصحية ومخازن الاغذية، لا يبدو ان هناك بارقة انفراج في الافق.
في القطاع الذي كان يسكنه اكثر من مليوني نسمة، بات الجوع هو القانون اليومي، والموت بصمت هو النهاية المرجحة لالاف الاطفال والنساء. وبينما تنشغل العواصم بحسابات النفوذ والتهدئة، تواصل غزة الغرق في كارثة انسانية بلا أفق، حيث يتحول الصمود الى استنزاف بطيء للحياة، لا يشاهده العالم الا على شاشات الاخبار، دون تدخل حقيقي.


