في باحة المعهد الملكي للإدارة الترابية بمدينة القنيطرة، اصطف خريجو الفوج الستين في نظام عسكري صارم، يرددون النشيد الوطني تحت أنظار وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، وشخصيات مدنية وعسكرية حضرت لتخليد لحظة تخرجهم، التي تشكل محطة فارقة في مسارهم المهني.
هنا، حيث تنصهر الجدية والانضباط وتكثف الدولة استثمارها في العنصر البشري، يصنع رجال السلطة الجدد الذين سيتوزعون قريبا عبر ربوع المملكة، حاملين معهم مشروعا تحديثيا يمتح من قيم المواطنة والمسؤولية وروح الخدمة العامة.
ويعد المعهد الملكي، التابع لوزارة الداخلية، اليوم مشتلا رئيسيا لإعداد نساء ورجال السلطة في المغرب، ضمن رؤية متكاملة تروم تأهيلهم لمواجهة تحديات تدبير الشأن الترابي، والمساهمة في مسيرة التنمية الشاملة والمستدامة.
فالأمر لا يتعلق فقط بتلقين معلومات إدارية أو قانونية، بل بتكوين شامل متعدد الأبعاد، يسعى إلى بناء شخصية قيادية قادرة على الإنصات، والتحليل، واتخاذ القرار، وتدبير الأزمات، والإنصاف في خدمة المواطنين.
ويؤكد مدير المعهد، اللواء رشيد الحمري، أن دبلوم المعهد “ليس مجرد شهادة، بل هو تتويج لمسيرة تبرز بجلاء الصفات الفكرية والمهنية والإنسانية للمتخرج”، مضيفا أن هذا الدبلوم “يهيئ المتدرب ليصبح رجل سلطة متعدد المهارات والمهام، قادرا على العمل الدؤوب والمخلص في شتى ربوع الوطن، ومستهدفا خدمة المواطن في المقام الأول”.
ويعرف المعهد، الذي تأسس في ستينيات القرن الماضي، بمنهجيته الصارمة في التأطير، التي تقوم على المزاوجة بين التأهيل النظري والممارسة الميدانية، من خلال تدريبات شبه عسكرية، وتمارين في الجغرافيا الجهوية، ومهام قيادية خلال التداريب الميدانية.
ويتم تحفيز المتدربين على تطوير ملكاتهم التنظيمية والانضباط وضبط النفس واليقظة، إلى جانب القدرة على استيعاب التحولات المجتمعية، والتفاعل مع الإشكاليات الاجتماعية على المستوى المحلي.
ويشرح اللواء الحمري أن “برنامج التكوين بالمعهد يعتمد على المساءلة المستمرة للذات من أجل التطور والتأهيل المتجدد لعرضه التكويني”، مضيفا أن المعهد يحرص على تعزيز علاقة المتدرب بالواقع من خلال “استهداف قدرته على الرؤية الشاملة والبحث والاستباقية”، فضلا عن “تعزيز علاقته بنفسه وهويته واستقلاليته، وعلاقته بالآخرين من خلال تقوية مهاراته التواصلية والتفاعلية”.
خلال الموسم التكويني الحالي، استقبل المعهد 113 متدربا ومتدربة بالسلك العادي، بلغت معدلات تخرجهم أرقاما وصفت بالمتميزة، حيث ناهز المعدل العام السنوي 15.76، في حين بلغ أعلى معدل فردي 18.00، وأدناه 13.89.
كما تم توسيع العرض التكويني ليشمل الفوج 11 من مفتشي الإدارة الترابية (20 متدربا)، وفوجا من مندوبي الإنعاش الوطني (21 ضابطا)، إضافة إلى 131 رجل سلطة ممن تمت ترقيتهم إلى مهام عليا، استفادوا من دورات تكوين مستمرة.
ولم يغفل المعهد التكوين المستهدف لفئة أعوان السلطة، حيث نظم دورة تأهيلية لفائدة 240 متدربا تم تعيينهم لاحقا في مهام خليفة قائد، ما يعكس حرص الإدارة الترابية على توحيد معايير الكفاءة والجاهزية على مختلف مستويات المسؤولية.
وتعكس هذه الأرقام دينامية متجددة في فلسفة التكوين، تجعل من المعهد منصة للإعداد الاستراتيجي لأطر الدولة الترابية، في انسجام تام مع التوجيهات الملكية الداعية إلى الارتقاء بأداء الإدارة، وترسيخ قيم الخدمة العمومية والعدالة المجالية والتماسك الاجتماعي.
وفي إطار تأهيل شخصية رجل السلطة بما يتماشى مع التحولات العالمية في مفهوم القيادة، طعم المعهد برامجه بمواد جديدة تهدف إلى “فهم أعمق للطبيعة البشرية”، وفق تعبير مديره، لتمكين المتخرج من استيعاب الفاعلين المحليين ومرافقة حاجيات المواطنين بدقة وتبصر.
وهذا ما يفسر إدراج مقاربات علم النفس الاجتماعي، وتقنيات تحليل النزاعات، والوساطة الترابية، ضمن مجالات التكوين.
ويمتد التأطير أيضا إلى مجالات مرتبطة بالتحولات التكنولوجية والرقمية، حيث يخضع المتدربون لتكوينات تهم الإدارة الذكية، وأساليب التتبع الميداني عبر المنصات التكنولوجية، وكيفية توظيف البيانات في رصد مؤشرات التنمية وتوجيه القرارات.
وتقول وزارة الداخلية إن هذا النهج التكويني يعكس “حرصها الراسخ على جعل العنصر البشري في صلب أولوياتها”، معتبرة أن تخرج الفوج الستين يشكل محطة جديدة لتأكيد الجهود المتواصلة نحو “تأهيل كوادر قيادية تمتلك المؤهلات الكفيلة برفع التحديات التنموية، وترجمة الرهانات الوطنية الكبرى في خدمة المواطنين”.
ويؤكد اللواء الحمري أن المعهد “يواصل التزامه الثابت بمواصلة مسيرته الريادية في تقديم تكوين عالي الجودة، متسم بالشمولية والاستجابة الدقيقة للاحتياجات المتغيرة”، مشددا على أن كل ذلك يتم “في إطار تهيئة بيئة ملائمة لإعداد أجيال من رجال السلطة، قادرة على النهوض بالمسؤوليات الجسيمة الملقاة على عاتقهم بكفاءة واقتدار”.
ومع تخرج الفوج الستين، يرسخ المعهد موقعه كمؤسسة سيادية استراتيجية، تشكل العمود الفقري للإدارة الترابية المغربية، وتؤدي دورا محوريا في نقل قيم الدولة وتجسيد حضورها الميداني، ضمن نموذج مغربي متميز في تنظيم السلطة وتدبير المجالات، لا سيما في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتسارعة.
وفي بلد يجعل من خدمة المواطن محورا لأي سياسة عمومية، يبرز خريجو المعهد الملكي للإدارة الترابية كممثلين مباشرين للدولة، مكلفين بإرساء الثقة، والإنصات لانشغالات الناس، واستباق الأزمات، وحمل انتظارات التنمية إلى مستويات الإنجاز.
هؤلاء، الذين يستعدون لارتداء بذلتهم الرسمية وتولي مهامهم في مختلف جهات المغرب، ينتظر منهم أن يجسدوا نموذج رجل السلطة الجديد، بقدرته على القيادة والإنصات، بحزمه في فرض القانون، ورحابته في فهم الإنسان.


