تعتزم الحكومة المغربية وضع حد لحالة الفراغ التشريعي الذي يطبع المجال الرقمي في المملكة، عبر إعداد مشروع قانون جديد يروم حماية القاصرين من المخاطر المتنامية لمنصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها تطبيق “تيك توك”، وذلك وفق ما كشف عنه وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد.
ويأتي هذا التحرك الرسمي في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية والمحلية بشأن التأثيرات السلبية للفضاء الرقمي المفتوح على الصحة النفسية والعقلية للأطفال والشباب، حيث أكد المسؤول الحكومي أن وزارته بصدد إعداد نص تشريعي بمثابة مدونة للاتصال السمعي البصري، يهدف إلى تنظيم المجال الرقمي وضبط عمل المنصات الأجنبية التي تنشط حاليا خارج نطاق الرقابة الوطنية.
وفي معرض جوابه عن سؤال كتابي تقدمت به النائبة البرلمانية لطيفة أعبوث، عن الفريق الحركي (معارضة)، حول “تأثير تيك توك على الصحة النفسية للأطفال وسبل الحماية”، أقر الوزير بنسعيد بوجود تحديات حقيقية تفرضها التحولات التكنولوجية المتسارعة التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين.
وأوضح أن هذه الطفرة في منظومات التواصل والإعلام، رغم ما توفره من فرص للتعلم والتفاعل المعرفي، أفرزت فضاء تتقاطع فيه حرية التعبير مع مخاطر جدية تهدد الفئات الهشة.
وسلط الوزير الضوء على استغلال المنصات الرقمية الأجنبية لحالة الفراغ القانوني الحالي في المغرب، مشيرا إلى أن هذا الوضع يحول دون إخضاع هذه الوسائط للرقابة الضرورية التي تضمن سلامة المحتوى المعروض.
وتتقاطع تصريحات الوزير مع تقارير دولية حديثة، من بينها تقرير لمنظمة العفو الدولية صدر بعد دراسة استمرت 18 شهرا، والذي خلص إلى أن تطبيق “تيك توك” أخفق في معالجة المخاطر الجسيمة التي تهدد الصحة النفسية للمستخدمين الصغار، مما يعزز الحاجة الملحة لتدخل تشريعي وطني.
ويرتكز التصور الحكومي لمواجهة هذه المعضلة، بحسب إفادات بنسعيد، على مشروع قانون يسعى لملء الثغرات القانونية الحالية.
ولن يقتصر هذا النص على الجانب الزجري أو الرقابي فحسب، بل سيتضمن مقتضيات دقيقة تحمل المنصات الرقمية مسؤوليات قانونية واضحة تجاه المحتوى الذي يتم ترويجه عبر خوارزمياتها.
ويهدف المشروع، في جوهره، إلى تعزيز آليات التنظيم الذاتي والرقابة المؤسساتية، بما يضمن بيئة رقمية آمنة تحترم القيم المجتمعية المغربية.
وعدد الوزير المخاطر التي استوجبت هذا التحرك التشريعي، لافتا إلى أن المنصات الاجتماعية ساهمت في “بروز ظواهر سلبية عديدة”، تشمل انتشار المحتويات التي تحرض على العنف، والانحرافات السلوكية، وخطابات الكراهية، إضافة إلى تفشي الأخبار الزائفة والإعلانات التي لا تتلاءم مع الفئات العمرية الناشئة. كما نبه إلى التهديدات المرتبطة بالخصوصية الرقمية والاستغلال التجاري المفرط لبيانات المستخدمين القاصرين.
ومن المرتقب أن يشكل مشروع “مدونة الاتصال السمعي البصري” إطارا لترسيخ ما وصفه الوزير بـ”السيادة الرقمية” للمملكة.
وشدد بنسعيد على أن الهدف الأسمى لهذا الورش التشريعي هو ضمان توازن دقيق وصعب في آن واحد: صون حرية التعبير التي يكفلها الدستور من جهة، وحماية النظام العام والقيم المجتمعية وصحة الأطفال من جهة أخرى.

