في وقت تختنق فيه غزة تحت الانقاض وتترنح المنطقة بين الحرب والجمود السياسي، اختار المغرب ان يعيد بعث روح السلام من قلب عاصمته، عبر احتضان الاجتماع الخامس للتحالف الدولي من اجل تنفيذ حل الدولتين، بشراكة مع مملكة هولندا، في محاولة لتقريب ما تفرق بين الفلسطينيين والاسرائيليين، والدفع نحو تسوية يعتبرها المغرب افقا لا رجعة فيه.
وبعيدا عن الانقسامات والمواقف الحادة، بدا خطاب وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة وكأنه محاولة جريئة لاعادة ترتيب اولويات المجتمع الدولي.
وأكد بوريطة في كلمته ان حل الدولتين هو الوحيد الذي لا خاسر فيه، معتبرا ان المستفيدين الحقيقيين من الوضع الراهن هم المتطرفون الذين يتغذون على نار الصراع ويتاجرون بالشعارات دون ان يقدموا حتى كيس ارز. المغرب، الذي يرأس لجنة القدس، دعا من خلال وزير خارجيته الى اجرأة هذا الحل، وتحويله الى خريطة طريق زمنية، واضحة المعالم، بدل الاكتفاء بتكرار نفس الطرح دون نتائج.

وفي خلفية هذا الاجتماع، يطفو السياق الاقليمي المتأزم، حيث تستمر العمليات العسكرية في غزة وتتزايد ارقام الضحايا في ظل صمت مؤسساتي دولي.
لكن الرباط حاولت ان تخرج المبادرة من دائرة النوايا الى ارض الواقع، عبر التأكيد على دعم السلطة الفلسطينية، وتعزيز اقتصاد السلام كرافعة عملية للمضي قدما في بناء الدولة الفلسطينية.
وأصر بوريطة على ان الدعم الاقتصادي، مهما كانت قيمته، لا يمكن ان يكون بديلا عن الحل السياسي، مشددا ان السلام ليس سرابا بل مشروع قابل للتحقيق متى توفرت الارادة.
من جهته، اشاد كريستيان ريبيرغان، الكاتب العام لوزارة الخارجية الهولندية، بدور المغرب في تنظيم هذا الاجتماع، معتبرا انه يشكل بصيص امل، وكشف عن تقدم في مفاوضات سابقة قادتها بلاده بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، قبل ان تتوقف بسبب غياب الارادة لدى الاطراف المعنية. ودعا الى وقف فوري لاطلاق النار، محذرا من تجاهل المأساة الانسانية في غزة، التي لا يمكن الحديث عن اي سلام دون معالجتها.
اما الصوت الفلسطيني، فقد جاء محملا بنداء استغاثة، حيث قالت وزيرة الدولة الفلسطينية فارسين اغابيكيان شاهين ان شعب غزة يبيد، متحدثة عن جوع، وغياب للغذاء، وتطهير عرقي، ونية واضحة للقتل.
ودعت شاهين الى الاعتراف الفوري بالدولة الفلسطينية، معتبرة ان ذلك هو الطريق الوحيد لوقف الانتهاكات الاسرائيلية، وتعزيز القانون الدولي الذي بات يستباح على مرأى العالم.
واختارت الرباط ان تجمع بين الطابع الرمزي والسياسي. فبينما تتوالى المؤتمرات دون اثر فعلي، بدا هذا الاجتماع محاولة عملية لبناء تحالف دولي لا يكتفي بالدعوة الى الحل، بل يسعى الى خلق ادوات ملموسة لتنفيذه، وفق رؤية مغربية تقوم على ثلاث ركائز: دعم سياسي ثابت، ومقاربة اقتصادية ذكية، وتفعيل مؤسساتي على الارض.

بوريطة ذكر بان المغرب، ملكا ودولة، ظل وفيا لقضية فلسطين منذ عهد الملك الحسن الثاني، الى عهد الملك محمد السادس، الذي يدعو باستمرار الى وقف العمليات العسكرية، وتأمين المساعدات، ودعم الاونروا، وتمكين الفلسطينيين من ادارة اعادة اعمار غزة تحت اشراف السلطة الوطنية وبمتابعة دولية.
ورغم تعقيد المرحلة، بدت الرباط كمن يعيد ترتيب اولويات اللحظة، ويذكر العالم ان حل الدولتين ليس مجرد شعار قديم، بل لا يزال، وربما اكثر من اي وقت مضى، السبيل الوحيد الممكن نحو سلام عادل وشامل ودائم.


