من الرباط، حيث التأم الاجتماع الخامس للتحالف الدولي لتطبيق حل الدولتين، لم يضع وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة الكثير من الوقت في المجاملة.
صعد الى المنصة، وبدأ في اخراج ملف الصراع الفلسطيني من يد أولئك الذين حولوه إلى مادة للاستهلاك السياسي. بكلمات محسوبة لكنها صارمة، قال ما لا يقال في معظم اللقاءات الدولية: “هناك من يدعي دعم الشعب الفلسطيني دون أن يقدم له حتى كيس ارز”.
كان ذلك التصريح كافيا لتقويض سرديات كاملة بُنيت على الخطابة دون مضمون. لكنه لم يتوقف عند حدود التلميح، بل واصل: “المغرب لا يبيع اوهاما، بل ينخرط في دعم فعلي، بتوجيه مباشر من جلالة الملك محمد السادس، من خلال دبلوماسية ذكية تحقق النتائج بدل الضجيج”.
المغزى كان واضحا: في الوقت الذي تكتفي فيه بعض الاطراف بـ “العيش في ظل الصراع”، كما وصفهم بوريطة، فان المغرب يعمل على الارض، بعيدا عن منصات الاستعراض السياسي. لا حاجة لرفع الصوت عندما تكون يدك ممدودة بالفعل.
المغرب لم يقف على هامش المأساة الفلسطينية، بل كان شريكا مباشرا في تخفيف بعض من تبعاتها، من خلال ثلاث مبادرات رئيسية أبرزها بوريطة امام الحضور.
الاولى تتعلق بتسهيل فتح معبر ألينبي بين الضفة الغربية والاردن في يوليو 2022، وهي خطوة جاءت بعد وساطة مغربية مباشرة بطلب من الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية، مكنت الآلاف من الفلسطينيين من كسر طوق العزلة.
والثانية، تدخل المغرب في مفاوضات رفعت جزئيا الحصار المالي الذي كانت تفرضه اسرائيل على السلطة، خطوة لا تتحدث عنها الشعارات لكنها تصنع الفرق فعلا.
والثالثة، تتجلى في ارسال قافلتين من المساعدات المغربية الى قطاع غزة، عبر معبر رفح، في عملية نادرة عربيا من حيث التنفيذ البري والتوقيت السياسي.
هذا ليس كل شيء. فحين تتحدث الخطابات عن القدس، يفضل المغرب ان يشتغل عبر مؤسسة بيت مال القدس، التي ترعى آلاف الاسر، وتؤمن التعليم والرعاية الصحية، وتموّل المستشفيات والمدارس، في صمت، وبتمويل مغربي حصري. هذا النوع من الالتزام، لا يصنع “ترندا”، لكنه يصنع فرقا.
بوريطة، ومن على منصة دولية، مارس نوعا من الفرز الصريح بين من يتاجرون بالمأساة ومن يتحملون تكاليف الدفاع عنها. لم يذكر اسماء، لكن العبارة الاكثر دقة في خطابه كانت: “البعض لا يقدر على تقديم اي دعم، لكنه يبالغ في الانتقاد”.
الرسالة كانت موجهة، وربما جارحة، لكن سياقها لا يرحم. العالم منشغل باعادة ترتيب اولوياته في ضوء ازمات متلاحقة، والقضية الفلسطينية، التي كانت ذات يوم بوصلة الشعوب، اصبحت اليوم اداة لتسجيل النقاط الداخلية عند البعض.
غير ان المغرب، وفق ما اكده بوريطة، اختار الا يدخل هذا المزاد. بل راهن على دبلوماسية مسؤولة، تضع مصلحة الفلسطينيين فوق كل اعتبار.
وحين تتكلم الرباط بهذا الوضوح، فانها لا تبحث عن تصفيق، بل عن نتائج. وهذا ما يفسر تزايد الثقة الدولية في الدور المغربي، خاصة حين يكون الهدف هو ردم الفجوة بين الخطاب والفعل.
فالواقع الفلسطيني لا يحتاج الى مزيد من الخطب، بل الى شركاء صادقين، وهنا بالضبط يضع المغرب نفسه: في خانة القلائل الذين ما زالوا يرون في القضية الفلسطينية مسؤولية لا ورقة.


