يسجل المغرب صعودا لافتا في السوق الروسية حيث بات يشكل الوجهة البديلة المفضلة لآلاف السياح الباحثين عن تجارب جديدة وتكاليف مناسبة، في وقت تتراجع فيه جاذبية تركيا بسبب ارتفاع الأسعار.
هذا التحول لم يأتِ صدفة، بل يترجم دينامية يقودها المكتب الوطني المغربي للسياحة الذي أعاد رسم الاستراتيجية الوطنية للترويج وجذب أسواق غير تقليدية.
فبعد أن ظلت تركيا لسنوات طويلة الوجهة الأولى للسياح الروس، خصوصا نحو منتجعات أنطاليا ومارماريس بفضل قربها الجغرافي وأسعارها التنافسية، بدأت المعطيات تتغير هذا الصيف بشكل واضح.
وتشير بيانات منصة “أفياسيلز” المتخصصة في الحجوزات إلى ارتفاع بنسبة 70 في المئة في مبيعات الرحلات إلى المغرب مقارنة بصيف 2024، بينما أفادت منصة “وان تو تريب” أن الطلب تضاعف خمس مرات، وهو ما يعكس اتجاها جديدا في خيارات المسافرين الروس.
ويكشف هذا الإقبال رغبة متزايدة في البحث عن بدائل تقدم تنوعا أكبر وقيمة مالية أوفر. وهنا يبرز المغرب بمدنه التاريخية مثل مراكش وفاس وشفشاون، وشواطئه الممتدة على المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، إلى جانب جباله وصحاريه، ليُقدَّم في السوق الروسية كوجهة أصيلة وغير مستهلكة بعد.
لكن خلف هذا الزخم السياحي تبرز جهود مؤسساتية واضحة. فقد وضع المكتب الوطني المغربي للسياحة خلال العامين الأخيرين خطة تقوم على فتح أسواق جديدة وتعزيز الربط الجوي، باعتباره مدخلا أساسيا لتوسيع الحضور.
وفي إطار استراتيجية “Aérien x2” ارتفعت الطاقة الاستيعابية للرحلات نحو المغرب بنسبة خمسة وعشرين في المئة خلال عام واحد، ما سمح بزيادة عدد المقاعد المباشرة بين موسكو ومدن مغربية كبرى.
كما وقع المكتب اتفاقية تعاون مع “الخطوط الجوية التركية” لتعزيز الحضور التسويقي للمغرب في مناطق أوسع، مستفيدا من محور إسطنبول كجسر إضافي.
ولم يتوقف الأمر عند الطيران، إذ صعّد المكتب من حملاته الترويجية تحت شعار “أرض الأنوار”، مقدما صورة متجددة للمغرب عبر وسائط رقمية وإنتاجات مرئية استهدفت أسواقا جديدة بينها روسيا.
كما عزز المكتب حضوره المؤسسي بتمثيليات خارجية، وحرص على إشراك مؤثرين ومنظمي رحلات روس في جولات ميدانية للتعريف بالمؤهلات السياحية المغربية.
وقد جاءت النتائج سريعة وملموسة. ففي النصف الأول من 2025 استقبل المغرب 8,9 ملايين سائح، بزيادة تسعة عشر في المئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
وسجلت الأرقام السنوية لسنة 2024 17,4 مليون زائر دولي، لتضع المملكة في مصاف الوجهات الأسرع نموا عالميا. كما يستهدف المكتب بلوغ 26 مليون سائح بحلول 2030، في إطار رؤية تواكب تنظيم كأس العالم 2030.
في المقابل، ما تزال تركيا الوجهة الأكثر شعبية لدى الروس، إذ يتوقع أن تستقبل أكثر من 3,1 ملايين زائر هذا العام بزيادة خمسة عشر في المئة عن 2024. لكنها تجد نفسها أمام منافس صاعد يستقطب شرائح تبحث عن تجارب أقل استهلاكا وأكثر أصالة.
ومع نهاية الموسم الصيفي، يظهر المغرب كوجهة تفرض نفسها بخطوات ثابتة على خريطة السياحة الروسية. فهذه الدينامية لم تأت من فراغ، بل هي ثمرة تخطيط مؤسساتي واستثمار في البنية التحتية الجوية والتسويق الدولي.
وبينما يواصل الروس التدفق على المنتجعات التركية، فإن جزءا متزايدا منهم يختار المغرب، في إشارة إلى أن المنافسة على هذه السوق الاستراتيجية دخلت مرحلة جديدة.


