في كرة القدم الحديثة، لم يعد اختيار المنتخب الوطني مجرد قرار رياضي. إنه، في جوهره، إعلان انتماء ورسالة هوية وموقف رمزي يتجاوز حدود المستطيل الأخضر. لهذا السبب تحديدا تثير بعض التصريحات ردود فعل تتجاوز حجمها الظاهر، لأنها تمس منطقة شديدة الحساسية في الوعي الجماعي للمغاربة: العلاقة بين الوطن وأبنائه.
التصريحات الأخيرة التي أدلى بها يونس العيناوي بشأن اختيار ابنه نائل تمثيل المنتخب المغربي بدلا من المنتخب الفرنسي تندرج ضمن هذا النوع من المواقف. ليس لأنها كشفت معطيات جديدة، بل لأنها طرحت السؤال بطريقة بدت للكثيرين مستفزة: هل اختار نائل المغرب اقتناعا وانتماء، أم لأنه لم يكن قادرا على بلوغ مستوى المنتخب الفرنسي؟
قد يكون يونس العيناوي أراد الدفاع عن ابنه أو شرح الظروف التي أحاطت بالقرار. لكن النتيجة كانت مختلفة تماما. فما الذي سيستفيده نائل أو والده من إعادة فتح هذا النقاش اليوم؟ وما الفائدة من تذكير الجمهور المغربي بأن اللاعب كان يرى فرنسا سقفا أعلى، وأن المغرب كان الخيار الأكثر واقعية؟
حين يرتدي لاعب قميص المنتخب الوطني، يصبح الماضي أقل أهمية من الحاضر. الجماهير لا تطالب اللاعبين بإثبات أنهم رفضوا منتخبات أخرى، ولا تنتظر منهم شهادات في الوطنية. ما تريده ببساطة هو الالتزام والعطاء واحترام القميص. أما الحديث المتكرر عن الحسابات السابقة وعن مستويات المنتخبات وعن انتظار ضمان الرسمية قبل الانضمام، فإنه لا يخدم اللاعب ولا المنتخب، بل يخلق جدلا مجانيا ويزرع الشكوك حيث لا حاجة إليها.
الأمر الأكثر إثارة للانتباه في تصريحات العيناوي ليس الجانب الرياضي، بل الخلفية الثقافية التي يمكن قراءتها من خلالها. فقد جاء الحديث عبر إذاعة فرنسية لطالما قدمت، في مناسبات عديدة، صورة اختزالية عن المغرب وعن دول الجنوب عموما. وهناك بدا الخطاب وكأنه مصمم ليتوافق مع ما يرغب جزء من الرأي العام الفرنسي في سماعه: فرنسا في الأعلى، والمغرب في الأسفل. فرنسا كمعيار للتميز، والمغرب كخيار بديل.
هذه ليست مشكلة يونس العيناوي وحده، بل هي انعكاس لظاهرة أوسع داخل جزء من النخب المغاربية. فبعض هؤلاء لا يكتفون بالإعجاب بفرنسا أو بثقافتها أو بنموذجها السياسي، وهو أمر طبيعي ومشروع، بل يذهبون أبعد من ذلك إلى تبني نظرة فرنسية إلى أنفسهم وإلى أوطانهم.
في هذه الحالة، لا يعود المغرب بلدا له إنجازاته وتاريخه وطموحاته، بل يصبح مجرد محطة أقل قيمة في سلم المقارنات. ويصبح الاعتراف الفرنسي شهادة تفوق، بينما يتحول الاعتراف الوطني إلى جائزة ترضية.
المشكلة هنا ليست في فرنسا. ليست في لغتها ولا في ثقافتها ولا في مكانتها العالمية. المشكلة في تلك العقدة القديمة التي تجعل بعض أبناء البلد يشعرون بأنهم أكثر وجاهة حين يتحدثون عن وطنهم من موقع النقص. وكأن قيمة المغرب لا يمكن أن تثبت إلا من خلال مقارنته الدائمة بفرنسا، وكأن النجاح المغربي يحتاج دائما إلى ختم مصادقة خارجي.
لكن العالم تغير. المغرب الذي وصل إلى نصف نهائي كأس العالم لم يعد ذلك البلد الذي يبحث عن اعتراف الآخرين بوجوده. والمنتخب المغربي الذي أصبح وجهة لنجوم كبار ولدوا وتكونوا في أوروبا لم يعد مجرد خيار احتياطي. لقد تحول إلى مشروع رياضي حقيقي يجذب اللاعبين لأنه ينافس، لا لأنه يعوض.
من حق نائل العيناوي أن يختار المغرب أو فرنسا. ومن حق والده أن يروي تفاصيل هذا الاختيار. لكن هناك فارقا بين شرح القرار وبين تقديمه وكأنه تنازل من طرف لاعب لم يكن قادرا على بلوغ مستوى أعلى.
في النهاية، لا تقاس قيمة المنتخب الوطني بعدد اللاعبين الذين رفضوه أو قبلوه، بل بما يمثله في وجدان شعبه. وحين يصبح الحديث عن الوطن مشروطا بالمقارنة الدائمة مع الآخر، فإن المشكلة لا تكون في المنتخب ولا في اللاعب، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا.
وربما لهذا السبب تحديدا أثارت تصريحات يونس العيناوي كل هذا الجدل. ليس لأنها مست نائل العيناوي فقط، بل لأنها لامست سؤالا أعمق: متى سنتوقف عن رؤية أنفسنا بعيون الآخرين؟

