تضع الفيضانات الأخيرة التي اجتاحت سهلي الغرب واللوكوس، وهما “خزان الغذاء” الرئيسي للمغرب، سلاسل التوريد أمام اختبار حقيقي وصعب، متسببة في ضغوط تضخمية فورية على أسعار المواد الاستهلاكية الطازجة، وذلك في توقيت لا يقبل التأجيل: قبل أقل من أسبوع من حلول شهر رمضان المبارك.
فبينما تستعد الأسواق لاستقبال ذروة الاستهلاك السنوي، يجد المستهلك المغربي نفسه محاصرا بين مطرقة الطلب الموسمي وسندان “صدمة العرض” الناتجة عن الاضطرابات الجوية.
ويطرح هذا الوضع تساؤلات اقتصادية واجتماعية ملحة حول قدرة الأسر على تحمل تكاليف “القفة الرمضانية”، ومدى نجاعة التدخلات العاجلة في كبح جماح الأسعار التي قد تتخذ منحى تصاعدياً نتيجة تعطل المسالك وتلف المحاصيل.
صدمة العرض واختناق الشرايين اللوجستية
ولم تقتصر آثار التساقطات المطرية الاستثنائية على إنعاش الفرشة المائية فحسب، بل تحولت في أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان إلى سيول جارفة أخرجت مساحات شاسعة من دائرة الإنتاج.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن المياه غمرت أكثر من 110 آلاف هكتار من الأراضي الفلاحية الخصبة، واستدعت إجلاء ما يقارب 188 ألف شخص، في مشهد يعكس حجم الضرر الذي لحق بالبنية الإنتاجية في هذه المناطق الحيوية التي تمون أسواق المملكة بالخضروات والفواكه.
وخلق هذا الوضع “صدمة عرض” مزدوجة؛ فالأراضي المغمورة تعني تعذر ولوج الآليات الفلاحية للقيام بعمليات الجني في الوقت المناسب، ما أدى إلى نقص فوري في الكميات الواردة إلى أسواق الجملة.
وبالموازاة مع ذلك، تضررت المسالك القروية والطرق الفرعية، مما فرض تحديات لوجستية معقدة رفعت من تكلفة وزمن النقل.
وفي هذا الصدد، يشرح عبد السلام (52 عاماً)، سائق شاحنة لنقل البضائع ووسيط بأسواق الجملة، واقع الحال قائلاً: “الطرق المعتادة مقطوعة أو متضررة، مما يضطرنا لقطع مسافات أطول للوصول إلى الضيعات المعزولة. الشاحنات تنتظر ساعات طويلة، وهذا التأخير يرفع الكلفة ويهدد جودة السلع الطรية قبل وصولها للسوق، وهو ما ينعكس آلياً على السعر النهائي”.
وتشير التقديرات الميدانية إلى أن اختناق الوصول للأسواق لا يؤثر فقط على التكلفة، بل يخلق حالة من “الندرة المصطنعة” أحيانا بسبب صعوبة الإمداد، وهو ما يجعل أسواق الجملة تتفاعل بسرعة وحساسية مفرطة مع أي نقص في العرض القادم من الشمال، لاسيما وأن هذه المناطق تعتبر المزود الرئيسي لمحور الدار البيضاء-طنجة بالمنتجات الفلاحية.
“سلة رمضان” تحت ضغط المضاربة والطلب الموسمي
وتتسم سلة الغذاء الرمضانية بخصوصية شديدة تجعلها مقياسا حقيقيا للقدرة الشرائية، بمعزل عن المؤشرات الماكرواقتصادية العامة.
ورغم أن المندوبية السامية للتخطيط سجلت متوسط تضخم سنوي بحدود 0.8% خلال 2025، وتتوقع انحصار التضخم الغذائي في نفس النسبة تقريبا، بينما يتوقع بنك المغرب استقرار التضخم عند 1.3% في 2026، إلا أن واقع الأسواق اليومية قد يسير في اتجاه معاكس لهذه الأرقام المطمئنة على المدى القصير.
في أسواق التقسيط بمدن الشمال، مثل طنجة وتطوان، بدأت تظهر بوادر التذبذب السعري. وتشمل قائمة المواد الأكثر تأثراً مكونات المائدة الرمضانية الأساسية: الطماطم، البطاطس، البصل، الجزر، الفلفل، الكوسة، البقوليات، وزيوت المائدة، إضافة إلى اللحوم البيضاء والحمراء التي قد تتأثر بتضرر إسطبلات الماشية.
هذا الارتفاع ليس مجرد انعكاس للكلفة، بل يدخل فيه عامل السلوكيات التجارية، حيث يستغل بعض الوسطاء ذروة الطلب ونقص المعروض لرفع الهوامش الربحية.
وتقول فاطمة، ربة بيت من القنيطرة، بنبرة قلق: “الأسعار بدأت تتحرك صعودا قبل رمضان بأيام. الخضر والفواكه التي كانت في المتناول أصبحت أغلى، ونخشى أن تستمر الزيادة. نحن نتفهم ظروف الفلاحين بعد الفيضان، لكننا لا نتحمل جشع بعض التجار الذين يستغلون الفرصة”.
ويرى محللون أن قراءة الاتجاه السعري تتطلب تتبع قناتين: أسعار الجملة كمؤشر إنذار مبكر، وأسعار التقسيط لرصد انتقال العدوى للمستهلك. فالسوق حاليا يعيش حالة ترقب، حيث يتداخل الطلب الاستباقي للتخزين الأسري مع مخاوف ندرة العرض، مما يخلق بيئة خصبة للمضاربة وتغيير الأسعار بين عشية وضحاها.
سباق مع الزمن .. تدابير التخفيف وسيناريوهات المستقبل
وفي محاولة لتطويق الأزمة، سارعت الحكومة إلى إطلاق برنامج استعجالي بقيمة 3 مليارات درهم، تنفيذا للتوجيهات الملكية، يهدف إلى إعادة التأهيل والعودة للحياة الطبيعية.
ويتوزع هذا الدعم بدقة على: 1.7 مليار درهم لإصلاح البنية التحتية المتضررة، و775 مليون درهم لإعادة الإسكان والدعم المباشر، و300 مليون درهم مخصصة لدعم الفلاحين ومربي الماشية، فضلاً عن 225 مليون درهم للمساعدات العينية والتدخلات الاستعجالية.
ورغم أهمية هذا الغلاف المالي الكبير في جبر الضرر على المدى المتوسط، يرى الخبراء أن “الدعم المالي ضروري لإنقاذ الموسم الفلاحي المقبل وتعويض الخسائر في الأصول، لكنه قد لا يحل مشكلة الأسعار في الأسبوع الأول من رمضان بشكل فوري”.
ويؤكد مراقبون أن المطلوب الآن هو تسريع فتح المسالك لضمان تدفق السلع، وتشديد المراقبة لمحاربة الاحتكار، لأن صدمة العرض الحالية تتزامن مع طلب استثنائي.
وبالنظر إلى الأيام والأسابيع المقبلة، يبقى المشهد الاقتصادي للأسواق رهينا بسيناريوهين: الأول متفائل يرتبط بتحسن أحوال الطقس وانحسار المياه بسرعة، مما سيمكن من استئناف الجني وعودة الانسيابية للوجستيك، وبالتالي تراجع تدريجي للأسعار مع انتصاف الشهر الفضيل.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار تعثر التموين، ما قد يبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة طيلة النصف الأول من رمضان، وهو ما سيجعل من برنامج الدعم (3 مليارات درهم) آلية حيوية لتخفيف الأثار الاجتماعية، وإن كان تأثيره المباشر على ثمن الطماطم والبطاطس في السوق يتطلب وقتاً أطول ليترجم فعلياً.

