دعا المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب إلى إحداث تغيير جذري في استراتيجيات تدبير الكوارث الطبيعية، منتقلاً من “منطق التدخل” العلاجي بعد وقوع الأزمات إلى “منطق الوقاية” الاستباقي.
واعتبرت الهيئة الدستورية المستقلة في تقرير صدر حديثا أن الفيضانات التي شهدتها المملكة مطلع العام الجاري شكلت “اختبارا حقيقيا” كشف عن مدى جاهزية السياسات العمومية لحماية الحقوق الأساسية للسكان، بقدر ما كشف عن تحديات بنيوية تتطلب معالجة عاجلة.
ويأتي هذا التقرير في أعقاب تساقطات مطرية غزيرة سجلها المغرب خلال شهري يناير وفبراير، أدت إلى سيول جارفة تسببت في خسائر مادية جسيمة.
وبحسب الوثيقة التي اطلعت عليها صحيفة وطن 24 الالكترونية، فإن الأمطار التي تركزت بشكل خاص في مناطق الغرب واللوكوس وأقاليم أخرى، تسببت في غمر مساحات زراعية شاسعة تقدر بنحو 110 آلاف هكتار، مما يوجه ضربة قاسية للموسم الفلاحي في هذه المناطق الخصبة.
ولم تقف الخسائر عند حدود القطاع الفلاحي، بل طالت البنى التحتية والشبكات الطرقية والمساكن، متسببة في عزل عدد من الدواوير والمراكز القروية، واضطراب الخدمات الأساسية الحيوية، مما وضع آلاف المواطنين في مواجهة مباشرة مع قسوة الظروف المناخية.
تدبير الطوارئ: بين سرعة التدخل وهشاشة الإيواء
في تقييمه لعملية تدبير الأزمة، رصد المجلس الوطني لحقوق الإنسان تبايناً واضحاً بين سرعة الاستجابة الأمنية والميدانية، وبين جودة ظروف الإيواء والخدمات المقدمة للمتضررين.
وسجل التقرير “بارتياح” السرعة التي ميزت تدخل السلطات العمومية في المراحل الأولى، وتحديدا عمليات الإجلاء والإنقاذ التي نفذتها فرق الوقاية المدنية والقوات العمومية والسلطات المحلية، والتي نجحت في نقل السكان من المناطق المهددة إلى أماكن آمنة، مع توفير مساعدات غذائية وخدمات صحية، لا سيما للفئات الأكثر هشاشة كالمسنين والنساء الحوامل والأشخاص في وضعية إعاقة.
لكن في المقابل، نبهت الهيئة الحقوقية إلى “اختلالات” شابت مرحلة الإيواء، مشيرة إلى أن بعض المواقع المخصصة لاستقبال المتضررين افتقرت إلى الشروط الضرورية للعيش الكريم، خاصة فيما يتعلق بالولوج إلى الماء الصالح للشرب وخدمات الصرف الصحي.
كما لفت التقرير الانتباه إلى التفاوت المجالي في استمرارية الخدمات العمومية، حيث عانت المناطق القروية من انقطاعات أطول مقارنة بالمجالات الحضرية، مما ضاعف من معاناة سكان الأرياف خلال الأيام الأولى للكارثة.
ومن منظور حقوقي، شدد المجلس على ضرورة حماية الحقوق الأساسية حتى في ذروة الأزمات، مسلطا الضوء على “الحق في التعليم” و”الحق في الصحة”.
وأشار في هذا الصدد إلى أن تعليق الدراسة في المناطق المتضررة، وإن كان إجراء وقائيا ضروريا، يجب أن يواكبه تخطيط دقيق لاستئنافها سريعا لضمان عدم هدر الزمن المدرسي.
كما دعا إلى تأمين سلاسل الإمداد بالأدوية وضمان وصول الفرق الطبية إلى المناطق المعزولة، مؤكدا أن الفئات الاجتماعية الهشة هي التي تدفع غالباً الثمن الأكبر للكوارث، ما يستدعي إجراءات حمائية خاصة تضمن المساواة في الولوج للمساعدة دون تمييز.
إصلاحات بنيوية لمواجهة التغير المناخي
وتجاوز التقرير حدود رصد الخسائر المباشرة، ليطرح تساؤلات جوهرية حول السياسات العمرانية والتخطيط الترابي في المملكة.
وأكد المجلس أن تدبير هذه الكارثة أعاد إلى الواجهة إشكالية “البناء في المناطق المعرضة للمخاطر”، داعيا السلطات إلى الحزم في مراقبة احترام وثائق التعمير، ومنع التوسع العمراني في مجاري الأودية والمناطق المصنفة كنقاط سوداء مهددة بالفيضانات.
واعتبرت الهيئة أن الفيضانات الأخيرة ليست حدثاً عابراً، بل هي “مؤشر إضافي” على التحديات المتصاعدة التي يطرحها التغير المناخي في المنطقة، والتي تتميز بتزايد وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة.
وبناء على ذلك، أوصى المجلس بضرورة ملاءمة السياسات الترابية والاستثمارية مع هذا الواقع الجديد، داعياً إلى تعزيز “صمود” البنيات التحتية.
وفي ختام استنتاجاته، قدم المجلس حزمة من التوصيات الاستراتيجية للانتقال نحو مقاربة وقائية، أبرزها تعزيز أنظمة الإنذار المبكر على المستوى المحلي لضمان وصول المعلومات الدقيقة للسكان في الوقت المناسب، بما يمكنهم من اتخاذ الاحتياطات اللازمة. كما شدد على أهمية اعتماد “مقاربة تشاركية” تدمج المجتمع المدني والساكنة في إعداد خطط الطوارئ الجهوية، فضلاً عن ضمان تمويل مستدام لبرامج الحد من المخاطر.
وخلص التقرير إلى أن ما تحقق من تعبئة ميدانية، رغم أهميته، يظل بحاجة إلى تدعيم بإصلاحات بنيوية طويلة الأمد، كسبيل وحيد لتقليص هشاشة المجالات الترابية وحماية كرامة المواطنين في مواجهة كوارث مرشحة للتكرار مستقبلا.

