مع انطلاق صافرة البداية لمنافسات كأس إفريقيا للأمم على الملاعب المغربية، لا يكون الحدث مجرد تظاهرة كروية تتنافس فيها المنتخبات على لقب قاري، ولن تكون المدرجات مجرد مساحات للهتاف والتشجيع العابر.
في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ المنطقة، تتحول كرة القدم من لعبة تحكمها قوانين “الفيفا” إلى مرآة أخلاقية ضخمة، واختبار وجودي يكشف بوضوح قاطع الفارق الشاسع بين من يسكن التاريخ بثقة الدولة الراسخة، ومن لا يزال يعيش الحاضر بعقد الماضي التي لم تحل.
لا تطرح الأسئلة الكبرى اليوم في المؤتمرات الصحفية التقليدية، بل تتوارى في التفاصيل الإنسانية الصغيرة، وفي الكلمات التي تقال بعفوية، وفي الصمت البليغ حين يصبح نطق الحقيقة والاعتراف بالواقع عبئا نفسيا ثقيلا على من اختاروا العيش في أوهام العزلة.
ومنذ اللحظات الأولى التي واكبت تغطية سفر المنتخب الجزائري، بدا المشهد الإعلامي الموجه مألوفا حد الابتذال، ومثيرا للشفقة في آن واحد. إعلام محسوب على أجندة سياسية ضيقة، يصر على تحديث جمهوره عن “التوجه للمشاركة في كأس إفريقيا” وكأن هذه البطولة تقام في فراغ جغرافي مجهول، أو في كوكب آخر لا يحمل اسما.
لقد تحول اسم “المغرب”، البلد المضيف والجار الأقرب، إلى فراغ لغوي متعمد في عناوينهم، وإلى “تابو” يحظر ذكره، لا لشيء إلا لأن الاعتراف بوجود المغرب مزدهرا ومستضيفا للعالم، بات في قاموس هذا النظام فعلا سياسيا يهدد سرديته الهشة، وليس واقعا جغرافيا ورياضيا تفرضه الحقائق.
غير أن هذه السطور لا تكتب اليوم لمساءلة جمهور مغلوب على أمره، ولا لتأنيب شعب شقيق نتقاسم معه ذاكرة الدم والمصير. إنها تكتب لترسيخ الفصل الضروري والجذري بين شيئين اختلطا قسرا في الخطاب الرسمي: الشعب والنظام.
فما عجزت عنه اللغة الخشبية للساسة، أنجزته وتنجزه مدرجات الجماهير بصدق فطري. لقد رأينا قبل أيام كيف كسرت الجماهير الجزائرية تلك القاعدة غير المكتوبة، وكيف شجعت المغرب في محافل أخرى، مصرحة بأخوة دافئة لا تمر عبر مصفاة القنوات الرسمية، ومثبتة للعالم أن الشعوب حين تترك لضميرها الحي، تختار البساطة والحب بدل العداء المصطنع الذي ينفق عليه المال العام بلا طائل.
اليوم، ومع انطلاق العرس الإفريقي، يبدأ توافد الجماهير الجزائرية إلى بلد يعرفونه جيدا، ويحفظون تضاريس وده في قلوبهم. يأتون إلى وطن ثان لم يغلق أبوابه يوما في وجههم، ولم يعامل الجزائري كضيف ثقيل أو كخصم سياسي، بل كأخ وكصاحب دار.
هنا في “مغرب الأخوة والكرم”، من طنجة إلى الكويرة، لن يسأل القادم عن موقفه من قضايا شائكة، ولن يحاسب على ملفات لم يصنعها ولم يخترها. سيستقبل الجزائري بحفاوة الشاي المغربي، وبدفء المصافحة التي تتجاوز برودة البيانات العسكرية، لأن التاريخ المشترك وشرايين الدم الممتدة بين العائلات على طرفي الحدود لا يمكن محوها ببلاغ صحفي متوتر أو بخط تحريري يقتات على الكراهية.
إن الرهان الحقيقي للمغرب في هذه البطولة يتجاوز النجاح التنظيمي الباهر أو الاستتباب الأمني المحسوم سلفا، ليعقد الأمل الكبير على “الضمير الحي” للجزائريين. الرهان اليوم هو على أن تكون الجماهير في مستوى لحظتها التاريخية، لا في مستوى سلوكات حكام شاخت أدواتهم وبقيت غرائزهم حبيسة حقبة الحرب الباردة. إنه رهان حضاري على أن تمرغ الجماهير، بسلوكها الراقي وتآخيها مع أشقائها المغاربة، أنف تلك الصبيانية السياسية التي لا تزال تبحث عن شرعية داخلية متآكلة عبر افتعال خصومة خارجية وهمية.
في المقابل، يظل المغرب، دولة وشعبا ومؤسسات، وفيا لمنطق مغاير تماما، منطق القوة الهادئة والثقة بالنفس. اليد الممدودة التي طرحها ملك البلاد مرارا لم تسحب، والخطاب الرسمي لم ينزلق يوما لمستنقع الشتائم، ليس ضعفا، بل لأن القناعة هنا ثابتة وراسخة: قضية الصحراء حسمت في مسارها الدولي بقرارات أممية كرست الواقعية وأنهت الأوهام، وما تبقى من صراخ في الضفة الأخرى ليس سوى ضجيج إعلامي يهدف لإدارة خسارة دبلوماسية ورمزية فادحة.
لهذا، تخرج الرسالة من الرباط ومن كل المدن المغربية بصوت واحد وهادئ: أهلا وسهلا بالجماهير الجزائرية في المغرب. أهلا بمن نراهن على وعيهم المستنير، لا على خطابات حكامهم العجائز. أهلا بمن ننتظر منهم رد فعل أرقى من استفزازات لا تعنيهم ولا تمثل جوهرهم الطيب. في المدرجات، كما في مقاهي المدن وأزقتها العتيقة، سيثبت الناس مرة أخرى أن الشعوب أكبر وأبقى من أن تختزل في أنظمة عابرة، وأن الأخوة حين توضع تحت مجهر الحقيقة، تنتصر دائما على الكراهية، ليبقى المغرب كما كان دائما، أرضا للتلاقي، وفضاء يتسع لجميع الأحلام، وحصنا للأخوة التي لا تموت.

