كشفت مجلة “جون أفريك” الفرنسية عن منعرج حاسم في مسار النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، مؤكدة أن الجزائر وجبهة البوليساريو وجدتا نفسيهما مجبرتين على التخلي الضمني عن خيار الاستقلال والانفصال، والقبول بالانخراط الفعلي في مسار تفاوضي يرتكز بشكل أساسي وحصري على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وذلك تحت وطأة ضغوط دبلوماسية أمريكية قوية.
وفي تفاصيل هذا التحول الاستراتيجي، أوضح مدير تحرير المجلة الفرنسية، فرانسوا سودان، في تصريحات أدلى بها لإذاعة فرنسا الدولية (RFI)، أن الخيارات القديمة المتمثلة في الاستفتاء التقريري التقليدي باتت في حكم الماضي.
وأكد أن نقطة الانطلاق الحقيقية لعملية التفاوض الجارية حاليا، والتي تقودها واشنطن بصرامة، تتأسس على إقبار خيار الاستقلال بشكل نهائي، وهو التوجه الذي تكرس بقوة ووضوح منذ اعتماد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للقرار رقم 2797 في شهر أكتوبر من عام 2025، والذي حصر النقاش في إطار مبادرة الحكم الذاتي المغربية.
وأفاد المنبر الإعلامي بأن هذه التطورات الميدانية والسياسية تأتي في أعقاب اللقاء الهام الذي احتضنته العاصمة الإسبانية مدريد يومي الثامن والتاسع من شهر فبراير الجاري.
وقد جمع هذا الاجتماع المغلق ممثلين رفيعي المستوى عن كل من المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، تحت الرعاية والإشراف المباشر للولايات المتحدة الأمريكية، حيث استعرضت الرباط خلال هذه المباحثات نسخة محينة ومفصلة من خطتها للحكم الذاتي الخاص بالأقاليم الجنوبية للمملكة.
وبحسب المعطيات التي استقتها المجلة وتقاطعت مع تسريبات لوسائل إعلام إسبانية، فإن الرؤية المغربية المحدثة ترتكز على مبادئ الحكم الذاتي الداخلي الكلاسيكي.
وتكفل هذه المبادرة للجهة صلاحيات واسعة لتدبير كافة الشؤون ذات الطابع المحلي عبر مؤسسات ديمقراطية، في حين تحتفظ السلطة المركزية في الرباط بالصلاحيات السيادية الحصرية، وعلى رأسها الدفاع الوطني والشؤون الخارجية والجانب الديني.
وعلاوة على التنظيم الإداري، تتضمن الخطة المغربية، وفقا للمصدر ذاته، مقاربة سياسية وإنسانية شاملة لطي صفحة النزاع، تشمل وضع إطار مؤسساتي يقضي بتشكيل جمعية منتخبة محليا.
كما تفرد الوثيقة حيزا هاما لملف المصالحة الوطنية من خلال إقرار عفو شامل يشمل قيادات البوليساريو، إلى جانب وضع آليات مضبوطة لتنظيم العودة الآمنة للساكنة الصحراوية المتواجدة حاليا في مخيمات تندوف على التراب الجزائري.
ورغم هذا الاختراق الدبلوماسي، أشارت “جون أفريك” إلى وجود بعض النقاط الخلافية التي لا تزال تعيق التوصل إلى توافق تام حول مسودة الخطة.
وتتركز هذه التباينات بالأساس حول آليات التنزيل المؤسساتي، إذ ترفض الجزائر والبوليساريو مقترح تعيين رئيس السلطة التنفيذية المحلية من طرف الملك محمد السادس، وتطالبان في المقابل باعتماد آلية الانتخاب. وإضافة إلى ذلك، يبرز خلاف جوهري حول تركيبة الهيئة الناخبة المعنية بالمصادقة الاستفتائية على ميثاق الحكم الذاتي؛ فبينما يدافع المغرب عن حق كافة أعضاء الكتلة الناخبة الوطنية في الإدلاء بأصواتهم، يسعى الطرف الآخر إلى حصر المشاركة في الناخبين المحليين فقط.
وفي تحليله للموقف الجزائري الراهن، اعتبر فرانسوا سودان أن قبول السلطات الجزائرية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات في مدريد لمناقشة الخطة المغربية يشكل انصياعا واضحا للضغوط الدبلوماسية والنفسية التي مارستها الإدارة الأمريكية.
ووصف هذا التطور بأنه أقرب إلى “الذهاب إلى كانوسا”، في استعارة تاريخية تحيل على الإذعان وقبول الأمر الواقع، مشددا على أن انخراط الجزائر في هذا المسار تم دون الحصول على أي مكاسب سياسية أو تنازلات فعلية مقابلة.
وخلص التقرير إلى أن الرئاسة الجزائرية تواجه حاليا مأزقا داخليا يتمثل في كيفية تسويق هذا التراجع الكبير للرأي العام الجزائري.
ورجح المحلل الفرنسي أن يكون الرئيس عبد المجيد تبون في مرحلة التفكير في مبررات هذا التحول الجذري، معتبرا إياه “الثمن الضروري” الذي كان لزاما على الجزائر دفعه من أجل الخروج من حالة العزلة الدبلوماسية الخانقة التي تعيشها.
ومن المنتظر أن تشهد الأسابيع المقبلة عقد جولات إضافية من المباحثات التقنية والسياسية بين مختلف الأطراف المعنية، وذلك في أفق التحضير للاجتماع الحاسم المقرر عقده في شهر ماي المقبل، والذي تراهن واشنطن من خلاله على بلورة اتفاق إطار سياسي نهائي يطوي ملف هذا النزاع المفتعل بصفة لا رجعة فيها ويعزز استقرار المنطقة.

