حقق المغرب صعودا في مؤشر الربط البحري المباشر، لينتقل من المرتبة الثامنة والأربعين عالميا في سنة 2006، إلى قائمة الدول العشر الأولى خلال سنة 2026.
وجاء هذا التقدم نتيجة الاستثمارات الموجهة لتطوير قدرات المركب المينائي طنجة المتوسط وتوسيع بنيته التحتية.
وأفادت معطيات إحصائية نشرتها صحيفة “لو ماتان” الناطقة بالفرنسية، استنادا إلى تحليل لخبير النقل البحري والموانئ لدى البنك الدولي يان هوفمان، أن شبكة الاتصال البحري للمملكة سجلت توسعا ملحوظا.
وارتفع عدد الدول المرتبطة بالموانئ المغربية عبر خطوط للرحلات البحرية المباشرة من 20 بلدا إلى 71 بلدا خلال الفترة ذاتها.
ويعكس هذا المؤشر زيادة اندماج الاقتصاد المغربي في سلاسل الشحن الملاحية العالمية، وتنامي قدرة المنظومة المينائية الوطنية على تأمين الربط المباشر والمنتظم بين الأسواق الدولية والخطوط البحرية الكبرى.
ويقع ميناء طنجة المتوسط، الذي يمثل القاعدة الأساسية لهذا الانتقال، على مضيق جبل طارق، وهو أحد الممرات الملاحية الأكثر نشاطا في حركة التجارة الدولية.
وخضع الميناء لسلسلة من التوسعات المتلاحقة للبنية التحتية، مما جعله محطة محورية مهيأة لاستقبال السفن التجارية العملاقة، وإدارة عمليات إعادة شحن الحاويات وتوجيهها نحو وجهات جديدة.
ونقل المقال عن الخبير في البنك الدولي توضيحه بأن تداعيات هذا التقدم تتجاوز الإطار المباشر لنشاط العبور، لتشمل تأثيرات هيكلية على الاقتصاد الوطني. ويسهم اتساع شبكة الخطوط في خفض التكلفة الإجمالية للنقل، وتحسين وتيرة تواتر الخدمات البحرية.
ويفتح هذا المعطى التجاري المجال أمام الشركات المغربية العاملة في قطاعي التصدير والاستيراد للوصول إلى قاعدة أوسع من الأسواق، مع الاستفادة من شروط تجارية تنافسية لترويج البضائع.
ويندرج التطور المينائي للمغرب ضمن مسار دولي يتجه نحو تركيز حركة شحن الحاويات في عدد محدود من الموانئ المحورية. وتتطلب هذه الدينامية توفر الموانئ على قدرات لوجستية لاستيعاب أحجام متزايدة من السفن والشحنات.
وفي هذا الإطار، تمكن طنجة المتوسط من التموضع كمركز رئيسي لإعادة توزيع الحاويات، من خلال الربط بين الخطوط الملاحية العابرة للقارات والموانئ الإقليمية ذات السعة الاستيعابية الأصغر.
وأشارت القراءة التحليلية إلى أن الموقع الجغرافي للميناء شكل عاملا مساعدا، إلا أنه اقترن بتبني سياسات استثمارية وتنظيمية على المدى الطويل. وأتاحت هذه الاستراتيجية تطوير الأرصفة وفق المعايير الدولية، واستقطاب فاعلين عالميين متخصصين في تشغيل المحطات المينائية.
وأسهمت هذه الشراكات في تعزيز جاذبية المنصة أمام كبريات شركات الملاحة البحرية، التي أدمجت الميناء المغربي في مساراتها الرئيسية.
ولا يقتصر نشاط طنجة المتوسط على عمليات عبور الحاويات، بل يمتد ليشمل قاعدة لوجستية وصناعية مندمجة. ويضم المركب مناطق حرة مخصصة للأنشطة الصناعية والخدماتية.
وأسهم هذا الربط المباشر بين الميناء والمناطق الصناعية في دمج التوسع الصناعي المتمركز في شمال المغرب ضمن شبكات التصدير العالمية، وبرز هذا التأثير بشكل خاص في قطاعات صناعة السيارات والخدمات اللوجستية.
وفيما يتعلق بالمؤشرات التشغيلية، أعلنت السلطة المينائية لطنجة المتوسط، في تقرير نشاطها لسنة 2025، أن المركب عالج ما مجموعه 11 مليونا و106 آلاف و164 حاوية نمطية من فئة عشرين قدما، مسجلا زيادة بنسبة 8,4 في المائة مقارنة بحصيلة سنة 2024.
وبلغ الحجم الإجمالي للبضائع التي تمت معالجتها في مختلف محطات الميناء 161 مليون طن، بارتفاع قدره 13,3 في المائة. واستقبلت الأرصفة 16 ألفا و686 سفينة تجارية، من بينها 1.319 سفينة من الحجم العملاق الذي يتجاوز طوله 290 مترا.
وأكدت إدارة المركب أن المنصة المينائية تؤمن حاليا رحلات بحرية منتظمة باتجاه أكثر من 180 ميناء موزعة على 70 بلدا عبر القارات الخمس. وتغطي هذه الشبكة نحو 40 ميناء في 22 بلدا على مستوى القارة الإفريقية.
وعلى الصعيد الوطني، بينت معطيات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، الخاصة بالملف البحري للمغرب، أن مكانة المملكة في النقل البحري ترتكز بالدرجة الأولى على قوة بنيتها المينائية واتساع دائرة ربطها التجاري، في ظل استمرار محدودية حجم الأسطول التجاري البحري الوطني.
ورغم هذه المؤشرات، يواجه القطاع المينائي تحديات ترتبط بالتحولات الجيوسياسية وتقلبات مسارات التجارة العالمية. وأورد المقال أن اضطرابات سلاسل الإمداد وتغير التحالفات الاستراتيجية بين شركات النقل البحري يمكن أن تؤدي إلى إعادة رسم بعض خطوط التجارة.
ويبرز في هذا السياق رهان دولي يتمثل في إزالة الكربون من أنشطة القطاع البحري. ويتزايد التوجه نحو فرض معايير انبعاثات صارمة واعتماد أنواع بديلة من الوقود.
ويفرض هذا التحول الطاقي والبيئي على ميناء طنجة المتوسط الانخراط في المرحلة المقبلة من التحولات البحرية. ويتطلب هذا المسار قدرة المنصة على توفير الخدمات المينائية والطاقية الضرورية لدعم النقل البحري منخفض الانبعاثات.

