في ظل إعادة رسم موازين القوى العالمية، تبرز أفريقيا كأحد المحاور الرئيسية في معركة النفوذ الدولي، مع ما تختزنه من ثروات طبيعية هائلة وطاقة بشرية شابة وموقع جغرافي استراتيجي.
وبينما تنحسر هيمنة القوى التقليدية، تتحرك القارة بثبات نحو دور فاعل في النظام العالمي، مدفوعة بتحولات اقتصادية عميقة وشبكة تحالفات جديدة.
تتنافس القوى الكبرى من بكين إلى واشنطن مروراً ببروكسل على تثبيت مواقعها داخل القارة، وسط سباق محموم على الموارد الحيوية، من الكوبالت والليثيوم إلى الغاز والمياه والطاقة الشمسية.
تحتضن أفريقيا 30 بالمئة من احتياطي المعادن الأساسية في العالم، بينها الكوبالت والنيكل والليثيوم، فيما تنتج الكونغو الديمقراطية وحدها أكثر من 70 بالمئة من الكوبالت العالمي. وتستحوذ دول مثل جنوب أفريقيا ومالي وزمبابوي على حصص كبيرة من سوق المعادن الحيوية للطاقة النظيفة.
في قطاع الطاقة، تضم نيجيريا 37 مليار برميل نفط و206 تريليونات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، إلى جانب طاقات متجددة واعدة لا تمثل سوى 3.3 بالمئة من إنتاج الكهرباء حتى الآن.
كما تحتفظ القارة بنحو 65 بالمئة من الأراضي الزراعية الخصبة غير المستغلة عالميا، ونحو ربع المياه العذبة المتجددة، مما يمنحها وزنا إضافيا في معادلة الأمن الغذائي الدولي.
يقترب عدد سكان أفريقيا من 1.5 مليار نسمة، مع توقعات بوصوله إلى 2.5 مليار في منتصف القرن. ومن المتوقع أن تسهم الطاقات البشرية المتزايدة في دفع عجلة الاقتصاد الرقمي، الذي قد يشكل 8.5 بالمئة من الناتج المحلي في 2050.
كما تسجل خدمات الاتصالات والبيانات نموا متسارعا، تقوده دول مثل نيجيريا التي تضم أكثر من 80 بالمئة من مستخدمي الاتصالات في القارة.
رغم مواردها الضخمة، تعاني أفريقيا من فجوة بنية تحتية تقدر بنحو 90 إلى 170 مليار دولار سنويا، حيث تبقى 40 بالمئة من الطرق غير معبدة و60 بالمئة من السكان بلا كهرباء. ومع ذلك، تشكل هذه التحديات فرصة لجذب استثمارات دولية ضخمة في مشاريع الربط الإقليمي والطاقة والنقل.
تأسس الاتحاد الأفريقي عام 2002 ويضم 55 دولة، ويقود جهود تعزيز الوحدة الاقتصادية عبر منطقة التجارة الحرة التي تضم 54 بلدا. ورغم التحديات، توفر هذه المبادرات إطارا لتنمية التجارة البينية وبناء موقف موحد تجاه القضايا العالمية.
رغم العلاقات التاريخية، تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا خلال العقدين الماضيين. وبلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين نحو 380 مليار دولار في 2024، لكنه نما بوتيرة أبطأ من الصين، التي سجلت نموا تجاوز 2400 بالمئة خلال الفترة نفسها.
لا يزال الاستثمار الأمريكي في أفريقيا محدودا، إذ بلغ نحو 50 مليار دولار حتى 2023، وتركز في قطاعات الأمن والطاقة. ورغم تعهد إدارة بايدن بضخ 50 مليار دولار، فإن التنفيذ ما زال متعثرا، وسط هيمنة صينية متزايدة.
في أقل من عقدين، تحوّلت الصين إلى الشريك الأكبر لأفريقيا، بتبادل تجاري بلغ 295 مليار دولار عام 2024 واستثمارات مباشرة تجاوزت 44 مليار دولار. وقد موّلت بكين أكثر من 1100 مشروع في القارة، بقيمة 160 مليار دولار، معظمها في البنية التحتية والطاقة.
تنشط أكثر من 10 آلاف شركة صينية في القارة، فيما توسّعت مشاريع التكنولوجيا والتعليم بشكل لافت، أبرزها مشاريع هواوي في التدريب الرقمي والمدارس الذكية، إلى جانب مراكز بيانات في السنغال وأوغندا.
تشير المؤشرات إلى أن أفريقيا لم تعد مجرد ساحة للتنافس الدولي، بل تكتل يتحرك لبناء نفوذ من الداخل. ومع تزايد دور الصين وتراجع الأداء الغربي، تبرز فرصة جديدة أمام القوى الإقليمية، خاصة من الشرق الأوسط، لاعتماد استراتيجية طويلة الأمد في العمق الأفريقي، ترتكز على الشراكة والابتكار لا الهيمنة.


