حين يرتفع صوت حزب “فوكس” اليميني المتطرف في إسبانيا، محذرا بخطاب تشاؤمي من تنامي الروابط بين سبتة ومليلية والمملكة المغربية، فإن هذا الضجيج المفتعل لا يعكس موقفاً واثقاً لدولة تدافع عن سيادتها، بقدر ما يكشف عن حالة من “الذعر الجغرافي”.
فالدعوات المتكررة لتشكيل “جبهة مشتركة” لتشديد الخناق الحدودي، وتسريع عمليات الترحيل، ليست سوى أعراض جانبية لواقع جيوسياسي أعمق: الثغران المغربيان المحتلان ينزلقان بهدوء وحتمية نحو مدارهما الطبيعي، وتأثير الرباط يتجاوز أروقة الدبلوماسية ليصيغ الإيقاع اليومي والاقتصادي للمدينتين.
المفارقة الصارخة في خطاب “فوكس” هي أنه، ودون قصد، يقدم أكبر خدمة للسردية المغربية. فحين يشتكي الحزب من أن سياسات مدريد “تربط” المدينتين بالمغرب أكثر فأكثر، فهو يقر، بلسان الخصم، بأن الجغرافيا، والتاريخ، والاعتماد العضوي المتبادل، هي قوى قاهرة تتجاوز الشعارات الانتخابية في شبه الجزيرة الإيبيرية.
هذا الواقع يصطدم بثبات مغربي هادئ؛ فالرباط، كما تؤكد تقارير دولية متقاطعة، لم تحد قيد أنملة عن موقفها التاريخي الثابت بعدم الاعتراف بالسيادة الإسبانية على أراضيها، مفضلة لغة الواقع على حروب التصريحات.
اقتصاد “التنفس الاصطناعي” وأسطورة الازدهار الأوروبي
ولفهم هشاشة الموقف الإسباني، يكفي النظر إلى كيفية تعاطي مدريد مع الأزمات الهيكلية للمدينتين. إقرار الحكومة الإسبانية لخطط تنمية استثنائية تضخ أكثر من 354 مليون يورو في سبتة و357 مليون يورو في مليلية، ليس دليلاً على التزام تنموي بقدر ما هو اعتراف صريح بفشل بنيوي.
فالدول لا تلجأ إلى ضخ مئات الملايين كـ”تنفس اصطناعي” في مناطق تملك مقومات حياة اقتصادية طبيعية ومندمجة، بل تفعل ذلك في جيوب استعمارية معزولة، فقدت بوصلتها وتعيش على وقع استنزاف دائم لخزينة الدولة المركزية.
وتأتي الأرقام لتنسف تماماً سردية “الازدهار الأوروبي” التي طالما سوقتها مدريد. تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء الإسباني إلى أن مليلية تصدرت، بنهاية 2025، معدلات البطالة في إسبانيا بنسبة مروعة بلغت 23%، تليها سبتة بـ22.21%.
والأكثر قسوة هي الأرقام الصادرة عن المؤسسات الأوروبية نفسها، والتي تضع 44.5% من سكان مليلية و42.2% من سكان سبتة تحت خط الفقر أو الإقصاء الاجتماعي. إنها من أعلى المعدلات في القارة الأوروبية العجوز، وتؤكد أن الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للحفاظ على هذا الشذوذ الجغرافي باتت باهظة وغير مستدامة.
شرايين مقطوعة وحدود تتحكم فيها الرباط
على الأرض، تكشف لغة الأرقام حجم الاختناق الذي تعانيه المدينتان كلما ابتعدتا عن عمقهما المغربي. قبل إغلاق المعابر في عام 2020، كانت مليلية تتنفس عبر مرور نحو 30 ألف شخص يومياً. اليوم، تقلص هذا الرقم إلى نحو 7,500 شخص فقط، وتراجعت حركة المركبات بأكثر من النصف.
هذا التراجع ليس مجرد إحصائية جمركية، بل هو تجفيف لشرايين الحياة الاقتصادية. وقد لخصت السلطات المحلية هذا الواقع بمرارة، في تصريحات نقلتها وكالة “أوروبا برس”، حين تحدثت عن فقدان المدينتين لـ”جسورهما الطبيعية” مع محيطهما؛ وهو اعتراف صريح بأن الرئة التي تتنفس بها سبتة ومليلية توجد في المجال الترابي المغربي المحيط بهما، وليس عبر مياه البحر الأبيض المتوسط.
وفي ملف الجمارك التجارية، يتجلى بوضوح من يمتلك زمام المبادرة. بينما يتهم “فوكس” حكومة بيدرو سانشيث بـ”التنازل للمغرب”، وتتخبط مدريد في الحديث عن “عراقيل تقنية” واختبارات لا تنتهي، تظل الحقيقة الساطعة هي أن الرباط هي الفاعل الحاسم في تحديد متى وكيف تعمل هذه البوابات. المملكة المغربية تفرض إيقاعها الخاص، مبقية مدريد في موقف الطرف الذي يناور ويتكيف، بدلاً من الطرف الذي يملي الشروط.
الواقعية السياسية ومظلة “الناتو” المثقوبة
هذا التفاوت الشاسع بين صخب اليمين المتطرف والواقع الجيوسياسي يتأكد حين ننظر إلى المصالح العليا للدولة الإسبانية. فالأرقام تثبت أن المغرب أوقف 78,685 محاولة هجرة غير نظامية نحو أوروبا خلال 2024، مما يجعله الجدار الواقي الأهم للأمن القومي الإسباني.
اقتصادياً، التبادل التجاري الذي يتجاوز 22.5 مليار يورو سنوياً، يجعل من المغرب الشريك التجاري الأول لإسبانيا. أمام هذه المصالح الاستراتيجية الضخمة، تدرك “الدولة العميقة” في مدريد أن المزايدات الخطابية لـ”فوكس” هي مجرد ترف سياسي لا تملك إسبانيا رفاهية تبنيه رسمياً.
وحتى التلويح المستمر بـ”المظلة الأطلسية” كضامن للوجود الإسباني في الثغرين، يبدو كمن يحتمي بمظلة مثقوبة. فالنص الحرفي للمادة السادسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو) يحدد جغرافية تطبيق المادة الخامسة صراحة في أوروبا وأميركا الشمالية ومناطق محددة أخرى، مستثنياً بشكل غير مباشر الجيوب الإفريقية. هذا الغموض القانوني يكفي لإثبات أن اليقين الذي يبيعه الساسة في مدريد للرأي العام الداخلي، لا صدى له في المواثيق الدولية.
في المحصلة، يثبت مسار الأحداث أن مقاربة ملف سبتة ومليلية لم تعد تحتمل الخطابات التعبوية الجوفاء. فالجغرافيا لا تقبل المساومة، والمملكة المغربية تدير هذا الملف الاستراتيجي بصبر جيوسياسي طويل الأمد، تدرك معه أن هشاشة المدينتين الاقتصادية، واعتمادهما العضوي على محيطهما، سيفرض في النهاية واقعاً لا يمكن لأي ضجيج يميني في مدريد أن يلغيه أو يعرقل مساره الطبيعي.

