تكشف مؤشرات ديمغرافية حديثة عن تحولات متسارعة داخل المجتمع الإسباني، تقودها الأجيال الشابة من أصول مسلمة، في ظاهرة يصفها مراقبون بـ”التحول الصامت” الذي يعيد رسم الخريطة السكانية في البلاد على المدى المتوسط والبعيد.
وبحسب معطيات صادرة عن مؤسسات للرصد الديمغرافي، يشكل المسلمون اليوم نحو خمسة في المائة من سكان إسبانيا، بما يتراوح بين 2.4 و2.5 مليون نسمة، في ارتفاع ملحوظ مقارنة بعقود سابقة، حين كان الحضور الإسلامي محدودا ويكاد يقتصر على مناطق بعينها.
وتتصدر الجالية المغربية هذا المشهد، إذ تمثل النسبة الأكبر من المسلمين ذوي الأصول الإفريقية، بما يفوق مليون و145 ألف شخص، ما يجعلها القوة الديمغرافية الأبرز داخل هذا المكون السكاني. كما يشكل المغاربة ما يقارب ثلثي المنحدرين من القارة الإفريقية في البلاد، في وقت تعتنق فيه الغالبية الساحقة منهم الديانة الإسلامية.
وتظهر البيانات أن هذا الحضور لا يقتصر على الهجرة فقط، بل يشمل أيضا جيلا جديدا من المولودين داخل إسبانيا، إذ يمثل هؤلاء نحو 1.4 في المائة من إجمالي السكان، مقابل 3.6 في المائة من المهاجرين، ما يعكس تحولا تدريجيا نحو ترسخ دائم لهذه الفئة داخل النسيج الوطني.
ويبرز هذا التحول بشكل أوضح في معدلات الولادة، حيث تشير الأرقام إلى أن واحدا من كل تسعة مواليد في إسبانيا ينحدر من أسرة مسلمة، وهو ما يعادل نحو 11 في المائة من إجمالي الولادات، في قفزة لافتة مقارنة بفترة السبعينيات، حين كان هذا الحضور شبه منعدم.
وعلى المستوى الجغرافي، يتركز الثقل الديمغرافي للمسلمين في مناطق رئيسية، أبرزها إقليم كتالونيا الذي يضم نحو 700 ألف نسمة، تليه منطقة الأندلس بحوالي 400 ألف، ما يعكس ارتباط هذه الفئة بمراكز اقتصادية كبرى توفر فرص العمل والاستقرار.
كما تسجل الظاهرة بعدا سوسيولوجيا لافتا، يتمثل في ارتفاع نسبة الزواج داخل نفس الجاليات، خاصة بين المغاربة، حيث تفيد المعطيات بأن أكثر من 90 في المائة من المواليد المغاربة خلال السنوات الأخيرة ينحدرون من أبوين مغربيين، ما يعزز الحفاظ على الروابط الثقافية والهوياتية داخل هذه المجتمعات.
غير أن هذا التحول الديمغرافي يرافقه عدد من التحديات، إذ تواجه هذه الفئة معدلات بطالة مرتفعة تصل إلى نحو 30 في المائة، إلى جانب ضعف مشاركة النساء في سوق الشغل، فضلا عن تحديات مرتبطة بمستويات التعليم والاندماج الاجتماعي.
ورغم هذه الصعوبات، تشير التوقعات إلى استمرار المنحى التصاعدي لنمو السكان من أصول مسلمة، مدفوعا بتركيبة عمرية شابة ومعدلات ولادة أعلى مقارنة بباقي مكونات المجتمع، ما قد يؤدي إلى بروز أغلبية ديمغرافية في بعض المناطق خلال السنوات المقبلة.
ويشير خبراء إلى أن مدينتي سبتة ومليلية مرشحتان لتسجيل هذا التحول بشكل أسرع، خاصة في صفوف الأطفال واليافعين، في حال استمرت نفس الدينامية الحالية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو إسبانيا أمام واقع ديمغرافي جديد، يطرح تحديات وفرصا في آن واحد، تتعلق بإعادة صياغة سياسات الاندماج والتعليم وسوق العمل، بما يواكب التحولات الجارية داخل مجتمع بات أكثر تنوعا من أي وقت مضى.


