يدخل ميناء طنجة المتوسط عام 2026 محققا تحولا طاقيا كاملا عبر تشغيل عملياته بكهرباء متجددة بنسبة 100 بالمئة، في خطوة استباقية تهدف إلى تحصين موقع المغرب ضمن سلاسل الإمداد العالمية، تزامنا مع بدء الاتحاد الأوروبي تطبيق الحزمة الأكثر تشددا في تاريخه لفرض ضرائب على الانبعاثات الكربونية في قطاع النقل البحري.
وبدأت المنصة المينائية، التي تعد الأكبر في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، مع مطلع العام الجديد، الاعتماد كليا على الطاقة الريحية والشمسية والمائية عبر الشبكة الوطنية، لتشغيل الرافعات العملاقة وأنظمة المناولة الآلية، إضافة إلى تفعيل تقنية “الربط الكهربائي للأرصفة” (Onshore Power Supply)، التي تتيح للسفن التجارية إيقاف محركاتها الملوثة فور رسوها، والتزود بالكهرباء النظيفة لتشغيل أنظمتها الحيوية.
ويكتسي هذا التحول بعدا استراتيجيا يتجاوز الجانب البيئي، إذ يأتي في وقت وسع فيه الاتحاد الأوروبي نطاق “نظام تداول الانبعاثات” (ETS) ليشمل النقل البحري، فارضا رسوما باهظة على السفن التي تفرز انبعاثات كربونية عالية أثناء دخولها أو خروجها من الموانئ الأوروبية، أو تلك التي تتوقف في موانئ مجاورة (Transshipment) قبل إكمال رحلتها نحو أوروبا.
ويوضح خبراء في اقتصاديات النقل البحري أن لجوء طنجة المتوسط إلى “تبييض” عملياته طاقيا يوفر لشركات الشحن العالمية الكبرى، مثل “ميرسك” و”سي أم أي سي جي أم”، ملاذا لخفض فاتورتها الكربونية، حيث تحتسب هذه الشركات الانبعاثات الصادرة أثناء الرسو والمناولة ضمن تقاريرها السنوية، ما يجعل الموانئ الخضراء أكثر جاذبية وتنافسية مقارنة بنظيراتها التي لا تزال تعتمد على الوقود الأحفوري.
وحافظ الميناء المغربي خلال العام 2025 على وتيرة نمو متصاعدة بمعالجة ما يفوق 10 ملايين حاوية نمطية، مستفيدا من موقعه الاستراتيجي على مضيق جبل طارق الذي تعبره 20 بالمئة من التجارة العالمية.
ويرى محللون أن هذا “الدرع الطاقي” الجديد سيحمي الميناء من تداعيات “آلية تعديل حدود الكربون” (CBAM) الأوروبية، التي قد تفرض رسوما على الخدمات والسلع المستوردة بناء على بصمتها الكربونية.
وتندرج هذه الخطوة ضمن استراتيجية مغربية أوسع لتوفير “عرض لوجستي أخضر” متكامل، يربط الميناء بالمناطق الصناعية الحرة التي تحتضن مصانع السيارات وأجزاء الطائرات.
وتراهن الرباط على هذا التكامل لإقناع المستثمرين الدوليين بأن التصدير من المغرب يضمن لهم مطابقة المعايير البيئية الأوروبية الصارمة، خاصة مع توفر خطوط سككية وكهربائية تربط مناطق الإنتاج بمنصات التصدير دون انبعاثات تذكر.
وفيما تواجه موانئ متوسطية أخرى تحديات تقنية لتوفير طاقة نظيفة بحجم ضخم ومستقر، يستفيد طنجة المتوسط من الطفرة التي حققها المغرب في مشاريع الطاقات المتجددة خلال العقد الأخير، ما يضمن استمرارية التزويد حتى في أوقات الذروة، وهو عامل حاسم لضمان عدم تأثر سرعة المناولة التي اشتهر بها الميناء عالميا.
وبدخول عام 2026، يتحول طنجة المتوسط من مجرد نقطة عبور لوجستية إلى مركز ثقل في معادلة “الممرات البحرية الخضراء”، وهي مسارات تجارية خالية من الكربون تسعى المنظمة البحرية الدولية لتعميمها، مما يعزز مكانة المغرب كشريك لا محيد عنه في خريطة التجارة العالمية الجديدة التي تعيد تشكيلها اعتبارات المناخ.

