فتحت مدينة طنجة، نافذة جديدة على التجارب الدولية في تدبير الموارد الحيوية، باحثة عن نموذج يُوفّق بين العدالة المجالية والنجاعة الطاقية، في وقت تواجه فيه مدن الجنوب رهانات متسارعة مرتبطة بالمناخ وتفاوتات الولوج إلى الخدمات الأساسية.
ولم يكن اللقاء الذي جمع بين منير ليموري، عمدة طنجة ورئيس مجلس مجموعة الجماعات الترابية طنجة تطوان الحسيمة للتوزيع، وسعيد محمد الطاير، الرئيس التنفيذي لهيئة كهرباء ومياه دبي، حدثا معزولا بقدر ما عكس مسعى حقيقيا لاستكشاف سبل التعاون بين مدينتين تنطلقان من سياقين مختلفين، لكنهما تتقاطعان حول الحاجة إلى تدبير مرن ومستدام للماء والكهرباء داخل المجال الحضري.
واذا كانت دبي قد رسخت مكانتها كمنصة إقليمية للتحول الطاقي بفضل وفرة الموارد والقدرة الاستثمارية العالية، فإن طنجة تراهن على عناصر اخرى، من ضمنها التنسيق الجهوي والتحكم المحلي والانفتاح على الممارسات الفضلى، بهدف بلورة نموذج يستند الى الخصوصيات الترابية بدل استيراد الحلول الجاهزة.
ويأتي هذا الانفتاح في سياق دينامية اوسع تشهدها المدن المغربية، حيث بدأ الفاعل الجماعي يتحرر تدريجيا من منطق التبعية التقنية لشركات التدبير المفوض، متجها نحو نماذج بديلة تعيد الاعتبار للدور الاستراتيجي للجماعات في ضبط الخدمات الحيوية، على رأسها الماء والكهرباء والتطهير السائل.
وتمثل تجربة مجموعة الجماعات التي تضم طنجة ومجالات ترابية اخرى بجهة الشمال المغربي تجسيدا لهذا التحول، حيث تبحث عن شراكات مؤسساتية وتقنية تساعدها على تجويد الخدمة، والرفع من كفاءة الشبكات، وتقليص الفاقد، دون المساس بطبيعة المرفق العمومي باعتباره حقا وليس امتيازا.
وتُعد “مجموعة الجماعات” هيئة ترابية مغربية ذات طابع تعاوني، تضم عدة مدن ومجالات قروية ضمن نفس الجهة، وتُعنى بإدارة مرفق توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل بعد إنهاء عقود التدبير المفوض. ويُمكن لهذه المجموعة أن تؤسس نماذج تدبير مشتركة، وتبرم شراكات مع القطاعين العام والخاص، في أفق توسيع التغطية وتحسين النجاعة وجودة الخدمة.
وشكل المنتدى الاقليمي للاقتصاد الاخضر، الذي احتضنته طنجة يومي 24 و25 يوليوز الجاري، لحظة فارقة في إبراز مركزية المدن في مواجهة التغير المناخي، اذ شددت التوصيات الختامية على ضرورة تمكين الفاعل الترابي من آليات التخطيط البيئي والتمويل المستدام، وتوسيع الشراكات جنوب جنوب لابتكار حلول قابلة للتكييف.
وقد بدا اللقاء الثنائي بين ليموري والطاير متقاطعا مع هذه الرؤية، دون ادعاء تمثيلها، من خلال التركيز على ابعاد تقنية مرتبطة بطرق توزيع الكهرباء والماء في ظل ندرة الموارد، وتنوع الطلب، وتعقيد الامتدادات الحضرية.
وتطرح تجربة دبي، كما استعرضها الجانب الاماراتي، نموذجا يعتمد على الحوكمة الرقمية والتحكم الآني في الاستهلاك، وهو ما يسعى وفد طنجة الى استيعابه لا من باب الانبهار، بل من زاوية امكانات الترجمة المحلية التدريجية.
ويرى عدد من الخبراء ان مثل هذا الانفتاح لا يعني تنميطا للتجارب، بل توسيعا لهوامش التعلم بين مدن الجنوب، خاصة في ظل محدودية الدعم الدولي، وحاجة الجماعات الترابية الى بلورة سياسات واقعية لا تنتظر المانحين، بل تُبنى انطلاقا من الامكانيات الذاتية، مع استثمار فرص التعاون التقني والمؤسساتي.
ولئن كان اللقاء قد جرى في هامش المنتدى، الا ان توقيته ومضمونه يعكسان توجها عاما بدأ يتشكل على المستوى القاري، عنوانه ان زمن المركزية قد انقضى، وان المدن هي من تقود اليوم اجندة المناخ، وفق معادلات تختلف عن تلك التي فرضتها اتفاقيات كبرى لم تجد دائما طريقها الى التنفيذ.
طنجة، بهذا المعنى، لا تطرح نفسها بديلا لأحد، لكنها ترفض ايضا ان تُختزل في مجرد مجال للتنفيذ، وتسعى الى ان تكون طرفا منتجا للمعرفة الميدانية، ومنفتحا على تجارب لا تُقلد بل تُفكك وتُعاد قراءتها ضمن شروط مغربية، حيث الهشاشة والطلب الاجتماعي لا ينفصلان عن معايير الكفاءة والنجاعة.


