خيّم شلل شبه تام على حركة الملاحة الجوية في منطقة الشرق الأوسط، السبت، إثر موجة تصعيد عسكري غير مسبوقة دفعت كبريات شركات الطيران العالمية إلى تعليق رحلاتها أو تعديل مساراتها بشكل فوري.
وتأتي هذه الاضطرابات الواسعة عقب تبادل الضربات الصاروخية والجوية في المنطقة، مما أجبر سلطات الطيران المدني في عدة دول على إغلاق مجالاتها الجوية أمام حركة الطيران التجاري، تغليبا لاعتبارات السلامة والأمن الجويين وتجنبا لأي حوادث عرضية في أجواء تتسم بالتوتر الشديد.
وفي هذا الصدد، أعلنت شركة الخطوط الملكية المغربية، الناقل الوطني للمملكة، عن تعليق مجموعة من رحلاتها الجوية المبرمجة باتجاه عدة عواصم في الشرق الأوسط.
وأفاد بلاغ رسمي للمؤسسة أن هذا القرار الاستثنائي اتُّخذ بتنسيق وثيق مع السلطات المختصة، وفي امتثال تام للمعايير الدولية للسلامة الجوية.
وأكدت الشركة المغربية أنها تتابع الوضع عن كثب لضمان أمن طواقمها ومسافريها، مشيرة إلى وضع منظومة خاصة لتدبير إعادة جدولة الرحلات أو تعويض المسافرين المتضررين من هذا التوقف الاضطراري، مع دعوة زبنائها للتحقق من وضعية رحلاتهم عبر القنوات الرسمية قبل التوجه إلى المطارات.
وعلى المستوى الإقليمي، سارعت دول الأردن والعراق ولبنان وإسرائيل إلى إعلان إغلاق مجالاتها الجوية بشكل مؤقت، قبل أن يعاد فتح بعضها جزئيا مع قيود مشددة.
وأوضحت تقارير تقنية لمنصات تتبع الملاحة الجوية العالمية أن سماء المنطقة شهدت إخلاء شبه كلي من الطائرات المدنية، حيث اضطرت مئات الرحلات العابرة للقارات إلى تغيير مساراتها المعتادة نحو ممرات جوية بديلة فوق الأجواء السعودية والمصرية والتركية، مما تسبب في ازدحام مروري جوي خانق وزيادة ملموسة في زمن الرحلات الجوية بين أوروبا وآسيا.
وفي القارة الأوروبية، قررت مجموعات طيران وازنة، وفي مقدمتها مجموعة “لوفتهانزا” الألمانية وشركة “إير فرانس-كيه إل إم”، تمديد تعليق رحلاتها إلى تل أبيب وبيروت وطهران وعمان حتى إشعار آخر.
واستندت هذه الشركات في قراراتها إلى تقييمات أمنية دورية وتحذيرات صادرة عن وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي (EASA)، والتي حثت على تجنب التحليق في المناطق التي تشهد نشاطا عسكريا مكثفا.
وشملت إجراءات التعليق أيضاً شركات طيران منخفضة التكلفة مثل “رايان إير” و”ويز إير”، مما تسبب في ارتباك كبير لآلاف المسافرين الذين وجدوا أنفسهم عالقين في مطارات العبور الدولية.
من جهتها، لم تكن شركات الطيران الخليجية والتركية بمنأى عن هذه التداعيات، حيث أفادت “طيران الإمارات” والخطوط الجوية التركية بإلغاء عشرات الرحلات اليومية وتأجيل أخرى، نتيجة إغلاق الممرات الجوية الحيوية.
وأكدت هذه الشركات أن الأولوية تظل لسلامة الأرواح، رغم التكاليف الباهظة الناتجة عن استهلاك كميات إضافية من الوقود وضغط الجدولة الزمنية للطواقم.
وأشار خبراء في قطاع النقل الجوي إلى أن استمرار إغلاق المجالات الجوية في الشرق الأوسط يمثل تحدياً لوجيستياً كبيراً، خاصة وأن المنطقة تعد بمثابة الجسر الجوي الرابط بين الشرق والغرب، مما يهدد بتكبيد القطاع خسائر مالية فادحة قد تتجاوز المليارات إذا طال أمد الأزمة.
وبالموازاة مع ذلك، شهدت المطارات المغربية والدولية حالة من الترقب في صفوف المسافرين، حيث انتشرت فرق الدعم والإرشاد لمساعدة الركاب على استيعاب التغييرات المفاجئة.
وأوضح مراقبون أن قطاع الطيران أثبت مرة أخرى مدى حساسيته تجاه التقلبات الجيوسياسية، حيث تؤدي أي شرارة تصعيد عسكري إلى إعادة رسم خارطة الملاحة العالمية في غضون دقائق. ومع استمرار حالة عدم اليقين في المنطقة، تظل العودة إلى الانتظام الملاحي رهينة بمدى نجاح الجهود الدبلوماسية في خفض منسوب التوتر، وضمان فتح ممرات آمنة للطيران المدني بعيداً عن صراعات القوى الإقليمية والدولية.

