تشهد العلاقات الاوروبية التركية تحولا لافتا في السنوات الاخيرة، بعدما اعادت دول الاتحاد الاوروبي تقييم موقع تركيا ودورها في معادلة الامن الاقليمي والدولي، في ظل تصاعد التحديات الجيوسياسية واحتدام الصراعات في محيط القارة الاوروبية.
وجاء هذا التحول ليترجم عمليا من خلال توقيع اتفاق عسكري استراتيجي بين بريطانيا وتركيا في اكتوبر 2025، يقضي ببيع 20 مقاتلة من طراز يوروفايتر تايفون لانقرة، في صفقة تصل قيمتها إلى نحو 8 مليارات جنيه استرليني، مع خطط لاقتناء عدد اضافي من الطائرات خلال السنوات المقبلة.
واعتبر مراقبون ان هذه الصفقة تمثل قطيعة مع نهج اوروبي سابق اتسم بالتحفظ والاشتراط في التعامل مع تركيا، خاصة في ملفات الدفاع والامن، وتعكس في الوقت ذاته اعترافا اوروبيا متزايدا باهمية الموقع الجغرافي لتركيا وثقلها العسكري داخل حلف شمال الاطلسي.
وبحسب معطيات متداولة، تمتلك تركيا ثاني اكبر جيش في الناتو بعد الولايات المتحدة، وهو ما يمنحها دورا محوريا في حماية الجناح الجنوبي والشرقي للحلف، خصوصا في ظل الحرب في اوكرانيا وتصاعد المخاوف الاوروبية من السلوك الروسي، فضلا عن تراجع اليقين تجاه التزام واشنطن طويل الامد بأمن القارة.
ويرى محللون ان انقرة اصبحت فاعلا لا غنى عنه في قضايا البحر الاسود وشرق المتوسط والشرق الاوسط، مستفيدة من نفوذها العسكري وقدرتها على لعب دور الوسيط بين اطراف متصارعة، كما حدث في الازمة الاوكرانية، حيث جمعت بين دعم كييف عسكريا والحفاظ على قنوات تواصل مع موسكو.
وفي هذا السياق، لعبت الصناعات الدفاعية التركية دورا متناميا في تعزيز مكانة البلاد داخل المنظومة الاطلسية، بعد تسجيل صادرات قياسية تجاوزت 7 مليارات دولار في 2024، مدفوعة بالطلب الدولي المتزايد على الطائرات المسيرة والانظمة العسكرية المتقدمة التي اثبتت فعاليتها في نزاعات عدة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، ترتكز العلاقات بين الاتحاد الاوروبي وتركيا على شراكة تجارية واسعة، اذ تجاوز حجم التبادل التجاري بين الطرفين 210 مليارات يورو خلال سنة 2024، ما جعل تركيا من بين ابرز الشركاء التجاريين للاتحاد، في وقت يشكل فيه السوق الاوروبي الوجهة الاولى للصادرات التركية.
كما تبرز تركيا كلاعب محوري في امن الطاقة الاوروبي، بحكم سيطرتها على ممرات استراتيجية لنقل الغاز من اسيا الوسطى وبحر قزوين إلى اوروبا، فضلا عن طموحها للتحول إلى مركز اقليمي لتوزيع الطاقة، في ظل سعي الاتحاد الاوروبي لتنويع مصادره وتقليص اعتماده على روسيا.
ورغم هذا التقارب المتنامي، لا تزال المواقف الاوروبية ازاء تركيا متباينة، اذ تبدي دول مثل بولندا وايطاليا واسبانيا انفتاحا كبيرا على تعزيز الشراكة مع انقرة، في حين تظل دول اخرى، على راسها اليونان وفرنسا، اكثر تحفظا بسبب خلافات تاريخية وجيوسياسية.
ويرجح مراقبون ان مستقبل العلاقات الاوروبية التركية سيظل مرتبطا بتوازن المصالح المشتركة وقدرة الطرفين على ادارة ملفات الخلاف، غير ان المؤشرات الحالية توحي بان تركيا باتت جزءا اساسيا من الحسابات الامنية والاقتصادية الاوروبية، وهو ما يفسر تنامي الحاجة الاوروبية للتنسيق مع انقرة في مرحلة دولية شديدة الاضطراب.

