يفرض اتساع رقعة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط وامتداده نحو دول خليجية والمملكة الأردنية تحديات مركبة على الدبلوماسية المغربية.
وتجد الرباط نفسها أمام معادلة دقيقة تقتضي الموازنة بين حماية عشرات الآلاف من مواطنيها المقيمين في بؤر توتر متقلبة، والحفاظ على تدفقات مالية استراتيجية للاقتصاد الوطني، دون الانزلاق نحو اصطفافات سياسية متسرعة في صراع مفتوح على احتمالات متعددة.
وتشير التقديرات الديموغرافية المتاحة إلى تمركز كتلة بشرية مغربية وازنة في مسرح التوتر الجغرافي الممتد. إذ يبلغ عدد المغاربة المقيمين في دولة الإمارات العربية المتحدة نحو 45 ألف نسمة، فيما يقارب حضورهم في المملكة العربية السعودية عتبة 30 ألفا.
وتتوزع أعداد أخرى بين دولة قطر، التي تضم نحو 4500 مغربي، ومملكة البحرين بأكثر من 4 آلاف مسجل في اللوائح القنصلية، إلى جانب تواجد ملحوظ في المملكة الأردنية الهاشمية.
ودفع هذا التوزيع الجغرافي للمغاربة في مناطق قد تطالها التداعيات المباشرة أو غير المباشرة للضربات العسكرية، وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، إلى تفعيل آليات تحرك استباقية.
وأعلنت الوزارة رسميا إحداث خلايا أزمة داخل بعثاتها الدبلوماسية والمراكز القنصلية في الدول المعنية، مع وضع خطوط هاتفية للطوارئ تعمل على مدار الساعة رهن إشارة المواطنين المغاربة، ودعوتهم إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر.
ثقل اقتصادي استراتيجي خارج الحدود
ولا يقتصر الحضور المغربي في منطقة الخليج والأردن على البعد الديموغرافي، بل يشكل رافعة اقتصادية حيوية للمملكة. إذ تعد تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج إحدى الركائز الهيكلية لميزان الأداءات ومصدرا رئيسيا للعملة الصعبة.
وتعكس أحدث البيانات الصادرة عن مكتب الصرف هذا الدور المالي المتنامي. فقد بلغت تحويلات مغاربة العالم خلال سنة 2025 ما مجموعه 122.02 مليار درهم، مقابل 118.97 مليار درهم في سنة 2024، بزيادة سنوية قدرها 2.6 بالمئة.
وحتى متم شهر نونبر من سنة 2025، وصلت قيمة هذه التحويلات إلى 111.53 مليار درهم، مقارنة بنحو 109.8 مليار درهم خلال الفترة ذاتها من العام السابق.
ويمثل استمرار تدفق هذه الموارد المالية، بما فيها تلك المتأتية من دول الخليج والأردن التي تستقطب كفاءات مغربية في قطاعات حيوية، عاملا أساسيا في دعم الاحتياطيات الأجنبية واستقرار المؤشرات الماكرو-اقتصادية. ويجعل هذا المعطى من أمن الجالية في الشرق الأوسط قضية ذات امتداد اقتصادي وطني، تتجاوز البعد القنصلي الصرف.
بين المواكبة القنصلية والتضامن الدبلوماسي
وتفرض التقاطعات بين الجغرافيا العسكرية للاشتباكات، التي تمتد نحو دول الخليج والأردن، وبين أماكن تمركز العمالة والكفاءات المغربية، مقاربة مزدوجة من طرف دوائر القرار في الرباط.
فعلى المستوى السياسي، حسمت وزارة الشؤون الخارجية موقفها بإصدار بلاغ رسمي أدانت فيه “الاعتداء الصاروخي السافر الذي طال حرمة وسلامة أراضي الدول العربية الشقيقة”، معتبرة إياه “انتهاكا صارخا لسيادتها ومساسا بأمنها وتهديدا لاستقرار المنطقة”.
وأكدت الرباط، وفق لغة البلاغ ذاته، تضامنها التام مع هذه الدول في كل الإجراءات المشروعة التي تتخذها لحماية أمنها وسكانها والمقيمين بها، في تعبير واضح عن دعم حلفائها التقليديين في الدفاع عن سيادتهم.
وبالموازاة مع هذا الموقف الدبلوماسي، سارعت الوزارة إلى تفعيل خلايا الأزمة المتخصصة، دون الإعلان عن الشروع في عمليات إجلاء شاملة، ما يعكس حرص الرباط على دعم استقرار الدول المضيفة وتفادي إثارة هلع اجتماعي واقتصادي غير مبرر.
ويشير التدبير الحالي إلى أن إدارة الأزمة تتم في إطار تقييم مستمر لتطورات الميدان، مع الحفاظ على توازن بين اليقظة القنصلية والموقف السياسي الداعم للحلفاء.
ورغم أن توصيف مسار التصعيد لا يزال محل نقاش، فإن اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مجالات حاضنة للرأسمال البشري المغربي يعيد إدراج البعد الديموغرافي والاقتصادي ضمن محددات الأمن الوطني في جانبه الخارجي.
وتبقى الرباط، في ظل هذه المعادلة الإقليمية المركبة، متمسكة بنهج يقوم على حماية مواطنيها، وضمان استقرار مصالحها الاقتصادية، والحفاظ على ثوابت سياستها الخارجية في بيئة جيوسياسية شديدة التقلب.

