واصل المغاربة المقيمون بالخارج تأكيد دورهم المحوري كصمام أمان للاقتصاد الوطني، مسجلين أرقاما قياسية جديدة في حجم التحويلات المالية التي ضخوها في المملكة خلال الأحد عشر شهرا الأولى من سنة 2025، وهو ما يوفر دعما حيويا لاحتياطيات البلاد من العملة الصعبة في وقت يشهد فيه الميزان التجاري ضغوطا متزايدة.
وأفادت بيانات رسمية صادرة عن مكتب الصرف، المؤسسة المكلفة بإحصاء المبادلات التجارية والمالية مع الخارج، بأن التحويلات المالية للجالية المغربية بلغت مستوى غير مسبوق ناهز 111.53 مليار درهم عند متم شهر نونبر الماضي.
ويمثل هذا الرقم زيادة بنسبة 1.6 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، حيث استقرت التحويلات حينها عند 109.8 مليار درهم، مما يعكس متانة الروابط المالية التي تجمع مغاربة العالم بوطنهم الأم رغم الظروف الاقتصادية العالمية المتقلبة.
ويكتسي هذا التدفق المالي المستمر أهمية قصوى لصناع القرار الاقتصادي في الرباط، إذ تساهم هذه الأموال بشكل مباشر في دعم القدرة الشرائية للأسر المغربية وتمويل الاستثمار العقاري، فضلا عن دورها الحاسم في تغطية جزء كبير من العجز التجاري الذي تعاني منه المملكة.
وتأتي هذه الأرقام الإيجابية في وقت يواجه فيه الاقتصاد المغربي تحديات هيكلية مرتبطة بارتفاع فاتورة الواردات.
وفي هذا السياق، كشفت نشرة المؤشرات الشهرية للمبادلات الخارجية عن تفاقم العجز التجاري بنسبة لافتة بلغت 22.4 بالمئة، ليصل إلى 328.8 مليار درهم. ويعزى هذا الاتساع في الهوة بين الصادرات والواردات بشكل أساسي إلى تسارع وتيرة استيراد السلع التي قفزت بنسبة 9.2 بالمئة، متجاوزة عتبة 725.34 مليار درهم.
وفي المقابل، سجلت الصادرات المغربية نموا طفيفا لم يتجاوز 1.8 بالمئة، لتستقر عند حوالي 423.54 مليار درهم، مما يجعل من تحويلات المغاربة ركيزة أساسية لإعادة التوازن لميزان الأداءات.
ويرى مراقبون أن استمرار تدفق التحويلات بهذا النسق التصاعدي، رغم الضغوط التضخمية التي تشهدها دول الإقامة في أوروبا وأمريكا الشمالية، يؤكد الطبيعة “الاجتماعية والتضامنية” لهذه الأموال التي تتجاوز المنطق الاستثماري الصرف.
وتلعب هذه التحويلات دورا حاسما في الحفاظ على استقرار الدرهم المغربي وحماية الأرصدة الوطنية من العملات الأجنبية من التآكل أمام فاتورة الطاقة والغذاء المرتفعة.
وعلى صعيد آخر، حملت بيانات مكتب الصرف مؤشرات إيجابية فيما يخص تجارة الخدمات، التي تشمل السياحة والنقل والخدمات المالية. فقد حقق ميزان الخدمات فائضا قويا بزيادة نسبتها 15.1 بالمئة، ليبلغ أكثر من 147 مليار درهم.
وجاء هذا الأداء الجيد نتيجة لنمو الصادرات الخدمية بنسبة 11.4 بالمئة (285.9 مليار درهم)، وهو ما ساعد في تخفيف وطأة العجز السلعي وأكد تنوع مصادر الدخل بالعملة الصعبة للاقتصاد المغربي.
وبالنظر إلى هذه المؤشرات المجتمعة، يتضح أن الاقتصاد المغربي يسير بسرعتين متباينتين: قطاع خارجي يشهد ضغوطا قوية ناجمة عن ارتفاع تكلفة الواردات، يقابله قطاع خدماتي وتحويلات مالية قوية من الخارج تلعب دور “ممتص الصدمات”، مما يمنح الحكومة هامش مناورة لتدبير التوازنات الماكرو-اقتصادية مع نهاية السنة المالية.

