يراكم المغرب، منذ خمس سنوات، البنية القانونية والصناعية والتنظيمية للانتقال من اقتناء المعدات العسكرية إلى تصنيعها محليا، في مسار تمثل فيه الطائرات المسيّرة إحدى الحلقات القابلة للتوسع، لا سيما بعد دخول إنتاج العربات المدرعة مرحلة الإدماج الوطني.
وفي 25 يوليوز 2020، جرى إصدار القانون رقم 10.20 المتعلق بمعدات وتجهيزات الدفاع والأمن والأسلحة والذخيرة، ليشكل أول إطار خاص يسمح بالتصنيع داخل المملكة.
وبحسب نص القانون المنشور في الجريدة الرسمية، لا يقتصر مفهوم التصنيع على الإنتاج الكامل، بل يشمل أيضا عمليات التركيب والتجميع والتشغيل والصيانة والإصلاح والتحويل والتعديل.
وعلى المستوى الصناعي، أحال مرسوم منشور في الجريدة الرسمية في نونبر 2025 على مرسوم سابق مؤرخ في 20 يونيو 2024، يقضي بإحداث مناطق تسريع صناعي للدفاع.
وصادقت الدولة على منح تهيئة هذه المناطق وتدبيرها لشركة متخصصة، في خطوة تعكس التعامل مع الصناعة العسكرية كقطاع إنتاجي يتطلب عقارا مخصصا ومنظومة موردين وتجميعا صناعيا مستقرا، وليس كصفقات متفرقة.
وتجسد هذا التوجه عمليا في 23 شتنبر 2025، مع إعلان إدارة الدفاع الوطني افتتاح مصنع “تاتا أدفانسد سيستمز المغرب” (TATA Advanced Systems Maroc) ببرشيد لإنتاج العربات المدرعة القتالية (WhAP 8×8).
ووفق البلاغ الرسمي المنشور على البوابة الحكومية (Maroc.ma)، بدأت نسبة الإدماج المحلي في المصنع من 35 في المائة، لتصل تدريجيا إلى 50 في المائة، مع إحداث 90 منصب شغل مباشر و250 غير مباشر، وتوجيه جزء من الإنتاج نحو الأسواق الإفريقية.
وتوفر هذه الخطوات خلفية صلبة لرهان المملكة على المسيّرات، مستندة إلى قاعدة صناعية قائمة في قطاع الطيران.
فبحسب بيانات مكتب الصرف، بلغت صادرات قطاع الطيران المغربي عند متم مارس 2026 ما مجموعه 7 ملايير و909 ملايين درهم (بزيادة 12,6 في المائة على أساس سنوي)، منها 5 ملايير و385 مليون درهم لفرع التجميع وحده (بارتفاع 18,6 في المائة).
وتعكس هذه الأرقام بنية متقدمة في التجميع الدقيق والهياكل الجوية، وهي مكونات تتدخل مباشرة في صناعة الطائرات من دون طيار.
من جهتها، تؤكد وزارة الصناعة والتجارة أن المنصة الجوية المغربية تنشط في مجالات الطيران المدني والدفاع والفضاء والدرونات.
وفي بلاغ رسمي بمناسبة افتتاح مصنع “سابكا المغرب” (SABCA Maroc)، قُدمت المنظومة المغربية كفاعل في الصيانة والتصميم والإنتاج والابتكار.
كما أعلنت الوزارة في بلاغ آخر سنة 2022، توقيع مذكرة تفاهم مع شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية (Israel Aerospace Industries)، شملت الطباعة ثلاثية الأبعاد، وتصنيع أجزاء المحركات، وإنشاء مركز للبحث والتطوير وتطوير شبكة موردين محليين.
ومن الناحية التقنية، تفيد الوثائق التقنية المنشورة من الشركات المصنعة، بأن منظومة المسيّرات تتجاوز الهيكل الطائر لتشمل محطة تحكم أرضية، ووصلات بيانات، وأنظمة ملاحة، ومستشعرات كهروبصرية وحرارية، وبرمجيات قيادة، وحمولات استطلاع أو ذخائر.
وتورد شركة “بلو بيرد” (BlueBird Aero Systems) في وثائقها التقنية أن مسيرتها الانقضاضية (SpyX) يبلغ مداها 50 كيلومترا بمدة تحليق تبلغ ساعة ونصف، فيما تتيح المسيّرة التكتيكية (ThunderB-VTOL) تحليقا لـ 12 ساعة بمدى اتصال يصل إلى 150 كيلومترا وحمولة تتراوح بين 4 و8 كيلوغرامات، مما يبرز أن السوق تقوم على سلسلة صناعية متعددة المستويات.
وعلى المستوى التنظيمي، نُشر في 17 نونبر 2022 بالجريدة الرسمية ظهير خاص بالملاحة والسلامة الجوية للطائرات العسكرية، نص على إحداث مديرية للطيران العسكري، وإخضاع تصميم وإنتاج وصيانة الطائرات ومكوناتها لمساطر تصديق تقني، مع إدراج مشغلي الدرونات صراحة ضمن فئات العاملين في الطيران العسكري.
وحتى الآن، لم تعلن الرباط في وثيقة رسمية منشورة عن خط إنتاج وطني مخصص للمسيّرات أو عن نسبة إدماج محلي خاصة بها.
غير أن المعطيات الرسمية المتراكمة تظهر توفر الشروط السابقة لهذا التحول؛ من قانون للتصنيع والتصدير، ومناطق صناعية دفاعية، وتجربة في الإدماج العسكري، إلى قاعدة جوية متقدمة وإطار تنظيمي للطيران العسكري. وهو ما يجعل انتقال المغرب لتوطين جزء من تكنولوجيا المسيّرات امتدادا صناعيا منطقيا لمسار فعلي على الأرض، وليس مجرد عنوان ترويجي.

