ليس من قبيل المصادفة أن تجد أغلب بؤر النزاع الانفصالي في غرب وشمال إفريقيا على تماس مباشر أو غير مباشر مع البوابة الشرقية للمغرب الكبير.
فمن الصحراء إلى الساحل، ومن ليبيا إلى خليج غينيا، هناك خيط ناظم دقيق، تُخيط عبره أجندات انفصالية، تشترك في شيء واحد: احتضان النظام الجزائري لها أو تبريره لها، أو صمته عنها حيث يجب أن يُدين.
لا يتعلق الأمر بمواقف ظرفية ولا باختيارات دبلوماسية قابلة للتأويل، بل بسلوك سياسي ممنهج، يتكرّر منذ عقود، ويُعيد إنتاج نفسه في كل مرحلة تاريخية بوسائل محدثة، لكنه يظل وفيّا لجوهره الأصلي: استثمار في هشاشة الآخرين، وتغذية مفتوحة لمشاريع التفكك خارج الحدود، مقابل قمع أي تعبير عن الاختلاف في الداخل.
في الحالة المالية، لم تعد علامات التورط الجزائري في دعم الحركات الأزوادية موضع شك لدى المراقبين، خاصة بعد الانسحاب الرسمي لحكومة باماكو من اتفاق الجزائر، وما تبعه من تصريحات مباشرة تتهم الجار الشمالي بالانحياز إلى الحركات المسلحة في شمال البلاد، وتوفير غطاء سياسي لها تحت ستار الوساطة.
أما المؤشرات الميدانية، فقد بلغت ذروتها بداية ماي الجاري، حين بثّت إذاعة “أزواد الدولية” تفاصيل عملية عسكرية بطائرات مسيّرة استهدفت موقعًا مشتركا للقوات المالية ومقاتلي فاغنر في بلدة تيساليت، وهي عملية غير مسبوقة من حيث نوع السلاح المستعمل والتنسيق الاستخباراتي الدقيق، ما يطرح، تلقائيا، السؤال حول الجهة التي زوّدت الانفصاليين بهذه القدرات، ومن يسندهم لوجستيا في مسرح عمليات شديد الحساسية.
هذا التطور لا يمكن فصله عن الرعاية الطويلة التي وفّرها النظام الجزائري للقيادات الأزوادية، وحرصه على الإبقاء على نفوذ سياسي غير مباشر في شمال مالي، سواء عبر اتفاقات هشة تُمنح فيها الامتيازات مقابل الصمت، أو عبر تعقيد جهود الاستقرار عندما تميل الكفة لصالح الدولة المالية.
وتحوّلت الجزائر التي قدّمت نفسها طيلة سنوات كوسيط سلام، تدريجيا إلى طرف يُحسَب على أحد المعسكرات، وبدأ خطابها يجنح نحو تبرير النزعة الانفصالية، تمامًا كما فعلت سابقا في نزاعات أخرى، توجّه فيها دعمها إلى الجماعات التي تناهض وحدة أراضي الدول المجاورة.
والمفارقة الصارخة، أن هذا الانخراط الخارجي لا يقابله منطق منسجم في الداخل. فحين يتعلق الأمر بمنطقة القبايل، تصنّف الدولة الجزائرية كل تعبير سياسي عن الخصوصية الثقافية أو الجهوية ضمن خانة “الإرهاب” و”المؤامرة الأجنبية”، وتُطلق العنان لأجهزتها الأمنية والقضائية لتفكيك الجمعيات واعتقال النشطاء ومحاكمة المناضلين.
في هذا التناقض بالذات تنكشف بنية النظام: دعم مفتوح للانفصال خارج الحدود، وتجريم مطلق لأي شكل من أشكال تقرير المصير داخليا. نظام لا يرى في وحدة الدول الأخرى إلا تهديدا لوجوده الرمزي، في حين يعتبر أن وحدة ترابه مقدسة وغير قابلة للنقاش، ولو على حساب أبسط مقومات التنوع السياسي والثقافي.
ولم تعد هذه العقيدة، التي تُعيد إنتاج سرديات ما بعد الاستعمار، تجد قبولا واسعا في المحافل الدولية، خاصة بعد أن اتضح أن بعض القوى الكبرى لم تعد تنظر بعين الرضا إلى هذا الدور الذي يُقوّض التوازنات الهشة في الساحل الإفريقي.
ولعلّ تغييب الجزائر عن احتفالات عيد النصر في موسكو هذا الأسبوع، رغم توجيه الدعوات إلى قادة مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ليس فقط مسألة بروتوكولية، بل تعبير ضمني عن تراجع منسوب الثقة في شريك لا يتردد في تعطيل مسارات الاستقرار متى خرجت عن مقاسه.
ووسط هذا المشهد، تبقى الدول التي التزمت بخيار الوحدة الترابية والمؤسسات الشرعية هي المتضرر الأكبر من هذا الهوس العدائي.
فكل من حافظ على تماسك حدوده، ورفض خطاب التفكيك، وراكم نموذجًا سياديا مستقلا، وجد نفسه في مرمى دعاية لا تنضب، وتمويل لا ينقطع، وتحريض لا يهدأ.
إنه الوجه الحقيقي لوظيفة سياسية لم تُبنَ لتصنع المستقبل، بل لتظل أسيرة صراعات الماضي، تُنفق في تغذيتها ما كان أولى أن يُستثمر في التنمية والاندماج المغاربي الذي ينتظره شعبٌ موحّد في العمق… ومُستهدف على الأطراف.

