تواجه الجزائر تحديا اقتصاديا متزايدا في ظل استمرار تداعيات قرارها بعدم تجديد عقد عبور أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي عام 2021، في خطوة أدت إلى تغييرات جوهرية في سوق الطاقة بالمنطقة، وفق تقرير صادر عن مؤسسة “نيو إنرجي كونسالت” المتخصصة في شؤون الطاقة.
أوضح التقرير أن القرار لم يكن نتيجة إخلال تعاقدي، بل اختيار سياسي أدى إلى تقليص مرونة الصادرات الجزائرية وتراجع إيراداتها، كما أضعف من صورتها كشريك موثوق في سوق الطاقة الأوروبية.
وأضاف أن إسبانيا، التي كانت من أكبر زبائن الغاز الجزائري، قلصت وارداتها بشكل حاد بعد 2021، مقابل اعتماد متزايد على الغاز الطبيعي المسال وتنويع شركاء الإمداد، في تحول أثر سلبا على تموقع الجزائر إقليميا لصالح دول مجاورة.
ويحذر التقرير من أن هيمنة المحروقات على الاقتصاد الجزائري تشكل مصدر هشاشة هيكلية، إذ تمثل 90 بالمئة من الصادرات وتؤمن قرابة نصف الإيرادات الضريبية. كما تعتمد البلاد بنسبة تفوق 97 بالمئة على الغاز في إنتاج الكهرباء، مما يجعلها عرضة لتقلبات السوق الدولية وتحولات الطلب في أوروبا.
رغم امتلاك الجزائر عاشر أكبر احتياطي مؤكد للغاز في العالم، إلا أن القطاع يعاني من ضعف الأداء، بسبب البنية التحتية المتقادمة والبيئة التنظيمية المعقدة، إضافة إلى محدودية الاستثمارات الأجنبية في ظل سياسة طاقية توصف بالقومية.
ويشير التقرير إلى أن الاستهلاك المحلي للطاقة يتزايد بوتيرة مرتفعة، مع تضاعف الطلب الصناعي في قطاعات التعدين والصلب، ما يضغط على الموارد ويقلص كميات الغاز المتاحة للتصدير.
ويرى خبراء أن منظومة الدعم الحكومي، التي تكلف البلاد نحو 17 مليار دولار سنويا، تسهم في تعميق هذه الاختلالات، إذ تشجع على الإفراط في الاستهلاك وتعيق التحول نحو مصادر طاقة بديلة.
وتسجل الجزائر نسب بطالة مرتفعة خاصة بين الشباب، حيث بلغت 30 بالمئة سنة 2024، في وقت لا يزال الاقتصاد غير المهيكل يستقطب قرابة 40 بالمئة من اليد العاملة، وسط إنفاق عمومي مرتفع وإصلاحات اقتصادية بطيئة.
من جهته، يمضي الاتحاد الأوروبي في تنفيذ إستراتيجية تدريجية لتقليص اعتماده على الغاز وتقليل الانبعاثات، مما يهدد الطلب المستقبلي على الغاز الجزائري. ويستهدف الاتحاد خفض استهلاك الغاز بنسبة 80 بالمئة بحلول 2050.
ويرى التقرير أن غياب خطة انتقال طاقي واضحة يعمق هشاشة الاقتصاد الجزائري، إذ لا تزال مساهمة الطاقات المتجددة محدودة، ولا تتجاوز 3 بالمئة من القدرة الكهربائية المركبة، رغم الإمكانات الشمسية الهائلة التي تتيحها البلاد.
ويخلص التقرير إلى أن الجزائر تقف أمام لحظة حاسمة تتطلب إصلاحات هيكلية وتنويعا اقتصاديا متسارعا، وإلا فإنها قد تواجه خسائر إستراتيجية على المستويين الاقتصادي والجيوسياسي في ظل إعادة تشكيل موازين الطاقة عالميا.


