ثمة مفارقة قاسية تحكم يوميات المغاربة منذ خريف عام 2018. في كل فجر شتوي، تنساق أجساد منهكة نحو عتمة الشوارع في طقس يومي يجسد شرخا عميقا بين الإيقاع البيولوجي القسري والساعة القانونية للمملكة.
لم يعد الأمر مجرد تفصيل زمني عابر نناقشه مع تغير الفصول، بل هو انعكاس صارخ لسياسة عمومية اختارت، بوعي أو بدونه، ارتهان الزمن المجتمعي لحسابات الماكرو-اقتصاد ومتطلبات التنافسية التصديرية.
إن الأرقام التي تضعها المراكز البحثية المستقلة اليوم على طاولة الفاعل الحكومي، والتي توثق إهدارا مزمنا لزمن النوم وتفاقما مقلقا في حوادث السير المميتة في ساعات “الصباح المظلم”، لا تمثل مجرد إحصائيات عابرة يمكن تجاوزها في التقارير الرسمية.
إنها، في العمق، توصيف دقيق لحالة استنزاف صامت تضرب في صميم الصحة العامة، وتهدد المردودية التعليمية لأجيال بأكملها.
المفارقة هنا تتجلى في التبرير الذي تستند إليه الإدارة؛ إذ يتم التذرع بضرورة التزامن مع الشركاء الأوروبيين، متناسين أن تكلفة هذا “الاندماج الاقتصادي” تُدفع نقدا من الرصيد الصحي والنفسي للمواطن البسيط.
وهنا يبرز التناقض الأكبر في فلسفة تدبير الشأن العام. فليس ببعيد، وفي أحلك فترات الأزمة الوبائية، صاغ المغرب معادلة سيادية استثنائية ألهمت العالم، حينما رفع بثقة شعار “المغرب يفضل شعبه على اقتصاده”. تلك الروح الوطنية، التي قدمت الرأسمال البشري وحق الحياة على لغة الأرقام الميتة وحصيلة التبادلات التجارية، تبدو اليوم مغيبة تماما عن النقاش الدائر حول الساعة الإضافية.
كيف يمكن لمؤسسات استطاعت إيقاف عجلة الاقتصاد بالكامل حماية لأرواح مواطنيها، أن تقف اليوم موقف المتفرج المتردد أمام تآكل جودة حياتهم اليومية لمجرد الحفاظ على تطابق زمني مع بورصات أوروبا؟
إن استمرار السلطات التنفيذية في تجاهل التراكم المعرفي والتحليلات الموضوعية التي ترافق مرافعات المجتمع المدني، يكشف عن أعطاب حقيقية في آليات الإنصات المؤسساتي.
فالاحتماء بصمت إداري مطبق إزاء دراسات ترصد الآثار المدمرة لهذا التوقيت، ورفض رفع السرية عن التقييمات الرسمية المنجزة سلفا، لا يصنع سياسة عمومية ناجعة، بل يعمق أزمة الثقة ويفرغ المقاربة التشاركية من محتواها. لا يمكن إدارة “السيادة الزمنية” للمملكة بقرارات بيروقراطية متعالية تتجاهل النبض المجتمعي.
في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال الزمن في كونه مجرد وعاء للإنتاجية الرأسمالية. إن إلغاء الساعة الإضافية والعودة إلى توقيت غرينتش لم يعد مجرد مطلب فئوي أو ترفا قابلا للتأجيل، بل هو اختبار حقيقي لمدى التزام صانع القرار بمركزية رفاه المواطن.
لقد حان الوقت لكي تستعيد عقارب الساعة في المغرب بوصلتها الطبيعية، وأن تدرك الحكومة أن التوقيت الأنسب لأي أمة هو ذاك الذي ينسجم مع إيقاع شعبها، لا إيقاع شركائها.

