دشن المغرب الثلاثاء مرحلة جديدة في حربه على الفساد بإطلاق استراتيجية خماسية تمتد حتى عام 2030، مقرا عبر هيئته الرسمية للنزاهة بأن الآليات التقليدية استنفدت أغراضها أمام ظاهرة تحولت إلى “سلوك منظم” يهدد بتقويض الثقة في المؤسسات.
وجاء الإعلان عن خارطة الطريق الجديدة تزامنا مع اليوم العالمي لمكافحة الفساد، في وقت تسعى فيه الرباط إلى تحسين ترتيبها في مؤشرات الشفافية الدولية وتجاوز ما وصفته الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة بـ”تشتت الجهود” الذي طبع المرحلة السابقة.
وقال رئيس الهيئة محمد بنعليلو خلال حفل الإطلاق في الرباط إن الاستراتيجية الجديدة تشكل “هندسة مغايرة” للمألوف، فرضتها القناعة بأن الفساد لم يعد مجرد انحرافات فردية، بل بات يمتلك “امتدادات تقنية ومالية وقدرة عالية على التكيف” مع القوانين الحالية، مما يستوجب منظومة مضادة أكثر تطورا وذكاء.
وترتكز الخطة التي وصفت بأنها “مشروع دولة” على ست دعائم أساسية، تهدف في مجملها إلى نقل الهيئة من دور الاستشارة والرصد إلى موقع “القيادة المعيارية” وتوجيه السياسات العامة، مع منحها أدوات للتدخل الاستباقي عبر آليات “اليقظة المبكرة” لرصد بؤر الفساد المحتملة في القطاعين العام والخاص قبل استفحالها.
وفي تشخيص صريح للاختلالات القائمة، لفت بنعليلو إلى وجود “هشاشة” في الثقة المجتمعية تجاه فعالية المؤسسات الرقابية، مشيرا إلى اتساع الهوة بين الطلب الاجتماعي المتزايد على الشفافية والإنصاف، وبين واقع الممارسة الذي يتسم بتباين المقاربات ومحدودية ثقافة تقييم السياسات العمومية.
وتراهن الاستراتيجية الجديدة بشكل كبير على “التحول الرقمي” كحجر زاوية لتقليص الاحتكاك البشري المباشر في الإدارات العمومية، وهو المدخل الذي يعتبره الخبراء الأكثر نجاعة لمحاصرة الرشوة الصغيرة والكبيرة، فضلا عن الاستثمار في التربية ونشر ثقافة النزاهة لضمان انخراط الأجيال الصاعدة.
وشهدت مراسم الإطلاق حضورا سياسيا وقضائيا وازنا، ضم الناطق الرسمي باسم الحكومة ورئيس المحكمة الدستورية ورؤساء هيئات الحكامة الكبرى، في رسالة تهدف إلى إظهار وجود إجماع مؤسساتي على دعم هذا التوجه الجديد، وطي صفحة المبادرات المعزولة لصالح “مسار مؤسسي دائم” خاضع للقياس والمحاسبة.
وتطمح الرباط من خلال هذه الوثيقة الاستراتيجية إلى مأسسة جهود التخليق عبر جداول زمنية دقيقة ومشاريع مهيكلة، في محاولة لردم الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الميداني، وتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني الذي يرهن جزءا من تنافسيته بمناخ الأعمال ومؤشرات النزاهة.

