أعادت إصابة مستشفى “سوروكا” في مدينة بئر السبع، جنوبي إسرائيل، بصاروخ خلال ضربة نُسبت إلى إيران، الجدل حول استخدام المنشآت المدنية في النزاعات المسلحة، في وقت أكدت فيه تل أبيب أن المستشفى تعرّض لاستهداف مباشر، فيما تشير أطراف أخرى إلى احتمال وجود منشأة أمنية متمركزة داخله أو بمحاذاته.
وعلى الرغم من التضارب الحاد في الروايات، فإن الواقعة أعادت فتح ملف شائك طالما طُرح خلال النزاعات الحديثة، خصوصاً في السياقات الحضرية التي تختلط فيها البنية التحتية المدنية مع المنشآت ذات الطابع الأمني أو العسكري.
في السنوات الماضية، وجّهت إسرائيل اتهامات متكررة لفصائل فلسطينية في قطاع غزة باستخدام المستشفيات والمدارس كمراكز عمليات أو كمواقع لإطلاق الصواريخ، معتبرة ذلك “استخداماً غير قانوني للمنشآت الإنسانية”.
تلك الاتهامات، التي غالباً ما كانت تُرفق بتسجيلات مصورة أو صور جوية، قوبلت بتشكيك من منظمات حقوقية، طالما اعتبرت أن إثبات مثل هذه الادعاءات يظل مرهونا بتحقيقات ميدانية يصعب إنجازها خلال العمليات العسكرية.
غير أن الضربة التي أصابت منشأة طبية داخل الأراضي الإسرائيلية قلبت اتجاه الاتهام، ودفعت مراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت إسرائيل نفسها قد تورطت في استخدام منشآت مدنية، بشكل مباشر أو غير مباشر، لأغراض أمنية.
وبينما تنفي تل أبيب ذلك بشكل قاطع، فإن الغموض الذي يلفّ طبيعة الأهداف في الحروب المعاصرة يجعل هذا النوع من الوقائع مفتوحاً على كل التأويلات.
في الظاهر، تُعد المستشفيات من بين أكثر المنشآت حمايةً بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا يجوز استهدافها تحت أي ظرف، إلا في حال استخدامها حصريا لأغراض عسكرية واضحة وثابتة.
لكنّ الواقع في ساحات القتال يقدّم صورة أكثر تعقيدا، حيث تصبح بعض المنشآت “ذات طابع مزدوج”، إما بسبب موقعها، أو نتيجة توظيفها المؤقت من قبل أحد الأطراف.
وقد أثارت الواقعة موجة من التنديد في وسائل الإعلام، وسط تباين في التقديرات بشأن ما إذا كانت الإصابة ناجمة عن خطأ في التوجيه، أو عن قرار مقصود باستهداف ما يُعتقد أنه هدف أمني يقع داخل المستشفى أو على مقربة منه.
ويشير مراقبون إلى أن هذا النوع من الحوادث يُسلّط الضوء على معضلة قائمة في الحروب المعاصرة، حيث لم تعد ساحات القتال منفصلة عن المجال المدني، بل أصبح التداخل بينهما قاعدة أكثر من كونه استثناء.
هذا الواقع يُصعّب مهمة التمييز، ويضع المدنيين في قلب دائرة الخطر، سواء من خلال العمليات العسكرية أو في سياق الاتهامات المتبادلة.
وفي حالات سابقة، وجّهت أطراف متحاربة في مناطق عدة من العالم – من سوريا إلى اليمن وأوكرانيا – اتهامات مشابهة، حيث تكرّرت المزاعم بشأن استخدام المدارس أو المستشفيات لتخزين الأسلحة أو لإيواء مقاتلين.
وفي كل مرة، كانت الحقائق تُطمر تحت ركام المباني المدمّرة، فيما يستمر الجدل حول مدى احترام الأطراف المتنازعة لخطوط القانون.
في سياق النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، ظلت مسألة “الدروع البشرية” موضوعاً حساسا، وغالبا ما كانت إسرائيل تستند إلى هذه الحجة لتبرير استهداف مواقع في غزّة، بينما تنفي الفصائل الفلسطينية استخدامها للمنشآت المدنية كساتر أو غطاء، معتبرة أن الاحتلال يسعى فقط إلى شرعنة استهداف البنية التحتية في القطاع.
اللافت في واقعة بئر السبع هو أن موقع الاستهداف لم يكن في منطقة نزاع نشط، ولا في محيط مواجهات مسلحة، ما زاد من حساسية الحادث، ورفع منسوب التساؤلات حول طبيعة ما كان يجري داخل أو قرب المستشفى.
وبينما تواصل إسرائيل التحقيق في ملابسات الحادث، لم تصدر تأكيدات رسمية بشأن وجود منشآت أمنية فعلاً في الموقع المستهدف، ما يفتح المجال أمام تأويلات متضاربة.
وفي غياب تحقيق مستقل وشفاف، تبقى الأسئلة قائمة: هل كان المستشفى مستهدفاً بذاته؟ أم أن منشأة أخرى كانت وراء الضربة؟ هل وقعت إصابات مدنية نتيجة خطأ في التقدير؟ أم أن الاستخدام العسكري المزعوم للموقع حوّل المستشفى إلى هدف مشروع؟
أسئلة تتجاوز الواقعة في حد ذاتها، لتلامس جوهر معضلة أوسع في الحروب الحديثة: كيف يمكن ضمان حماية المنشآت المدنية وسط تعقّد المشهد الميداني، وغموض الأهداف، وغياب المساءلة الفعلية؟

