شيع آلاف المريدين والوفود الرسمية، بعد عصر الأحد، جثمان الشيخ جمال الدين القادري البودشيشي، شيخ الزاوية القادرية البودشيشية، في مقرها بقرية مداغ بإقليم بركان.
وأديت صلاة الجنازة بمسجد الزاوية، ثم ووري الجثمان الثرى في مقبرة العائلة المجاورة، وسط أجواء مهيبة غلب عليها الذكر والدعاء والحضور الكثيف للقادمين من مختلف جهات المملكة وخارجها.
وكان الشيخ جمال الدين قد توفي الجمعة 8 غشت في المستشفى العسكري بالرباط، بعد وعكة صحية استدعت نقله من وجدة إلى العاصمة في الأسابيع الأخيرة. فيما أعلنت الزاوية في وقت سابق ترتيبات نقل الجثمان إلى مداغ مساء السبت، حيث توافدت الحشود منذ ساعات الصباح الأولى للمشاركة في مراسم الوداع.
وفود وحضور رسمي
وعرفت مداغ توافد وفود دبلوماسية وشخصيات رسمية ودينية وأكاديمية، إلى جانب أعداد كبيرة من المريدين، بمن فيهم مغاربة العالم الذين صادف وجودهم الصيفي في البلاد موعد الجنازة.
وعلى امتداد الطريق المؤدية إلى مقر الزاوية، اصطف الأهالي والزوار في مشاهد امتزج فيها طابع العزاء بنفحات الإنشاد الصوفي والمدائح النبوية، فيما تكفلت السلطات المحلية بتنظيم الحشود وتيسير الحركة في محيط المقبرة والمسجد.

في باحة الزاوية، حيث وضع النعش مغطى بقماش أخضر مطرز بالآيات القرآنية، تعالت أصوات المريدين بالأذكار، وتناوبوا على الدعاء للراحل بالرحمة والمغفرة، ولأهله بالصبر والسلوان. وحرص كثيرون على الاقتراب من النعش أو لمس أطرافه، في تعبير عن صلة روحية وثيقة نسجها الشيخ مع أتباعه على امتداد سنوات قيادته للطريقة.
طقوس الوداع
وانطلقت مراسم الجنازة بعد صلاة العصر مباشرة. حيث حمل المريدون النعش على الأكتاف يتقدمهم أفراد الأسرة وأعيان الزاوية، وسار الموكب بين صفين طويلين من المصلين يلهجون بالذكر.
وعند المقبرة، قُرئت آيات من القرآن، ثم أُنزل الجثمان إلى لحده بجوار أسلافه من مشايخ الطريقة. وخُتمت المراسم بدعاء جماعي ومعانقات مواساة امتدت دقائق طويلة قبل أن تبدأ الوفود في المغادرة على دفعات.

وتلقت أسرة الفقيد والزاوية سيلا من برقيات ورسائل التعزية من داخل المغرب وخارجه، بينها رسائل لشخصيات دينية معروفة وهيئات صوفية، أشادت بمسيرته في خدمة التربية الروحية ونشر قيم التسامح والوسطية.
كما نعاه علماء وفاعلون في الحقل الديني عبر بيانات وتدوينات، مؤكدين أثره في الحوار بين الأديان وترسيخ السكينة الروحية في أوساط مريديه.
إرث وخلافة
وتعد الزاوية القادرية البودشيشية من أبرز الطرق الصوفية في المغرب. وقد تولى الشيخ جمال الدين مشيختها عام 2017 بموجب وصية من والده الشيخ حمزة، الذي وافته المنية في 18 يناير 2017.
ومنذ ذلك الحين، واصل الراحل نهج الزاوية في التربية الروحية، وتنظيم المواسم والملتقيات التي تستقطب آلاف المريدين والباحثين سنويًا. وقد أسهم حضور الزاوية في ما يعرف بـ “الدبلوماسية الروحية” للمملكة، عبر خطاب يقوم على السلم والحوار وتزكية النفس.
وخلال الذكرى الثامنة لوفاة الشيخ حمزة في يناير 2025، أعلن الشيخ جمال الدين وصية بنقل الأمانة الروحية إلى نجله الأكبر مولاي منير القادري البودشيشي، في خطوة رآها مريدون تكريسا لاستمرارية السلسلة الروحية وضمانًا لوحدة الصف داخل الطريقة. ومع رحيل الشيخ، ينتظر أن تُفعل هذه الوصية في إطار الأعراف الداخلية للزاوية ومجلسها العائلي والروحي.

ويرى مراقبون أن انتقال المشيخة، في حال تأكد وفق الوصية، سيكون اختبارا لقدرة الزاوية على الحفاظ على زخمها الروحي وتنظيمها الإداري وأنشطتها الفكرية والتربوية داخل المغرب وخارجه.
كما يُرتقب أن يواصل المريدون تقاليدهم الموسمية، بما فيها المشاركة في ملتقيات التصوف وورش الذكر، مع توظيف أوسع للوسائط الرقمية التي اعتمدتها الطريقة خلال الأعوام الأخيرة للتواصل مع جمهورها.

