لم تكن ساحة جامع الفنا التاريخية في مراكش، برمزيتها العالمية، مجرد خلفية سياحية لرحلة الشاب البريطاني سام راشتون، بل تحولت فجأة إلى مسرح لمواجهة قانونية ودبلوماسية أعادت رسم الحدود الفاصلة بين “الإحسان الرقمي” وحرمة الخصوصية التي يكفلها التشريع المغربي.
بدأت فصول القصة حين قرر راشتون (20 عاما)، وهو مساعد رعاية بريطاني، توثيق ما اعتبره “مهمة خيرية” لتوزيع الحليب والمستلزمات الأساسية على أطفال في وضعية هشاشة بالمدينة الحمراء.
غير أن هذا التوثيق الذي استهدف حصد التفاعل الرقمي، اصطدم بصرامة “الفرقة السياحية” التابعة لولاية أمن مراكش، التي تدخلت بناءً على بلاغات من مواطنين استهجنوا تصوير قاصرين دون إذن قانوني.
وسرعان ما انتقل السجال من أزقة مراكش إلى صفحات الصحافة البريطانية؛ حيث قادت صحيفة “ديلي ميل” حملة إعلامية صورت راشتون كضحية لـ “اعتقال تعسفي”، وهي رواية تتبنى بوضوح تلك النزعة الشعبوية التي تقتات على إثارة الذعر الأخلاقي.
فالصحيفة اللندنية لم تكتفِ بنقل الخبر، بل عمدت إلى “شيطنة” الإجراءات السيادية للمغرب عبر تصويرها كعقبات في وجه “الشهامة البريطانية”، مكرسةً بذلك نظرة استعلائية ترى في تصوير فقر الآخرين وهشاشتهم “حقا مشروعا” للمانح، ومتجاهلة في الوقت ذاته أن كرامة الطفل في مراكش محصنة بقانون وطني لا يقل صرامة عن قوانين حماية الخصوصية في العاصمة لندن.
في المقابل، جاء الرد المؤسساتي المغربي ليضع النقاط على الحروف وفق “المسطرة القانونية”. وفي بلاغ رسمي حازم، أكدت المديرية العامة للأمن الوطني أن كل ما روجته “ديلي ميل” حول “سلب الحرية” أو “الإيداع بزنزانة” هو ادعاء عار من الصحة.
وأوضحت المصالح الأمنية أن المعني بالأمر لم يخضع للحراسة النظرية، بل كان موضوع “بحث قضائي” تحت إشراف النيابة العامة، تم خلاله حجز هاتفه المحمول لإحالة محتواه الرقمي على الخبرة التقنية، وذلك للتأكد من حجم الانتهاك الذي طال خصوصية قاصرين بُثت صورهم في فضاءات التواصل الاجتماعي دون موافقة أولياء أمورهم.
وتكشف هذه الواقعة عن صراع أعمق بين عقلية “السائح المنقذ” وبين دولة تعمل على تحديث ترسانتها القانونية لحماية مواطنيها من “استغلال الصور”.
فالمغرب، الذي يرحب بملايين السياح سنوياً، أظهر في قضية راشتون أنه لا يتساهل مع تحويل “الهشاشة الاجتماعية” إلى مادة تجارية أو دعائية، مؤكداً أن تقديم المساعدة العينية لا يمنح صاحبه حصانة لخرق مقتضيات القانون الجنائي المغربي المتعلقة بـ “الحق في الصورة”.
ومع عودة راشتون إلى المملكة المتحدة في منتصف مارس الجاري، تظل القضية مفتوحة كدرس في “السيادة الأخلاقية”؛ فبينما تحاول الصحافة الشعبوية اختزال التعقيد القانوني في “كابوس سياحي”، يصر القضاء المغربي على استكمال إجراءاته، واضعا كرامة الأطفال القاصرين فوق أي اعتبار “إحساني” مشروط بالعدسة.

