أقرّ رئيس الحكومة الاسبانية الاسبق، خوسيه ماريا أثنار، بخياره المتعمد للتصعيد العسكري مع المغرب خلال ازمة جزيرة “ليلى” المعروفة في الاعلام الاسباني باسم “بيريخيل”، صيف سنة 2002، رغم وجود مبادرات دبلوماسية دولية دعت الى تجنب المواجهة واعتماد مسار تفاوضي.
وأظهرت تصريحات أثنار الواردة ضمن وثائقي جديد بثته منصة “موفيستار بلوس”، تمسكا واضحا بمنطق الحسم الميداني، ورفضا لأي نقاش سياسي قد يلامس الخلفيات الاقليمية للحدث.
وقال اثنار انه اصدر تعليماته لتنفيذ عملية عسكرية محدودة لإبعاد عناصر من القوات المغربية كانت قد أقامت بشكل مؤقت في الجزيرة غير المأهولة، معتبرا أن هذا التحرك يشكل خرقا للوضع القائم.
وأوضح أنه كان مستعدا لتقديم استقالته في حال فشل التدخل، مما يعكس حجم الرهان الشخصي والمؤسساتي الذي وضعه على نجاح الخيار العسكري. مضيفا أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك ومسؤولين امريكيين، بينهم وزير الخارجية آنذاك كولن باول، دعوه الى تغليب الحوار، الا انه رفض ما وصفه “تسويات غير مقبولة”، في اشارة الى مقترحات ربط الحادث بسياق اوسع يشمل سبتة ومليلية.
وتعود وقائع الازمة الى صباح يوم 11 يوليوز 2002، حين أقامت عناصر من القوات المساعدة المغربية، نقطة مراقبة مؤقتة في جزيرة صخرية غير مأهولة لا تبعد سوى بضع مئات من الأمتار عن الساحل المغربي، بهدف مكافحة الهجرة والتهريب، وفق ما أعلنته الرباط حينها.
وبعد عدة أيام من الاتصالات المتوترة، نفذت القوات الخاصة الاسبانية عملية إنزال فجر يوم 17 يوليوز، مدعومة من البحرية والطيران، انتهت بإبعاد العناصر المغربية من دون مواجهات مباشرة. وأعادت اسبانيا تمركزها في الجزيرة، قبل أن تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقا بوساطة أمريكية.
وامتنع اثنار عن تقديم أي أساس قانوني دولي لموقف اسبانيا من الجزيرة او من الثغور المحتلة عموما، مفضلا التركيز على ما اعتبره ضرورة الدفاع عن “الرمزية السيادية” في مواجهة ما وصفه بمحاولة مغربية لفرض امر واقع.
ولم يشر في حديثه الى الخلفيات التاريخية او الجغرافية التي تجعل من الجزيرة امتدادا طبيعيا للساحل المغربي، كما لم يبد انفتاحا على اي تصور تفاوضي، حتى في ظل وساطات دولية رسمية.
وتُعد هذه التصريحات من بين اوضح الاعترافات السياسية الصادرة عن مسؤول حكومي اسباني سابق بشأن طريقة تدبير ازمة مع الرباط، وتكشف في الوقت ذاته مدى حضور المقاربة الصدامية في تعامل مدريد مع الملفات ذات البعد الترابي.
كما تؤشر، وفق محللين، على ان ازمة “ليلى” لم تكن معزولة عن مناخ عام من التوجس داخل الدولة الاسبانية تجاه المطالب السيادية المغربية، رغم اقتصار المغرب في تلك الفترة على تحرك رمزي لم يُقصد به التصعيد أو تغيير المعادلات.
ولم يصدر عن المغرب في تلك المرحلة اي خطاب رسمي يربط بين ازمة “ليلى” وملف سبتة ومليلية، غير أن تعاطي اثنار مع المقترحات الدولية أظهر حساسية مفرطة تجاه كل ما يمكن ان يُفهم كإقرار بوجود نزاع سيادي مفتوح. واعتُبرت تلك الازمة لحظة كاشفة لميل جزء من النخبة الحاكمة في مدريد الى تغليب منطق القوة، حتى حين يتعلق الامر بمواقع هامشية لا تتوفر على مقومات استراتيجية أو سكانية.
ويأتي هذا التناول المتأخر للحدث في سياق اقليمي يتسم بإعادة ترتيب موازين القوة والتأثير، بعد تحول الموقف الاسباني من قضية الصحراء المغربية، وتثبيت المغرب لخياراته السيادية وفق تصور مؤسساتي بعيد عن ردود الفعل.
غير أن عودة اثنار للحديث بلغة الرفض والتشكيك في النوايا، تُعيد ابراز مدى صعوبة التخلص من رواسب الخطاب الصدامي في بعض دوائر القرار الاسباني، خاصة كلما تعلق الأمر بمطالب مغربية ذات طابع تاريخي.

