ليست الذكرى السادسة والعشرون لجلوس الملك محمد السادس على العرش مجرد رقم إضافي في تقويم سياسي مألوف، بل لحظة تأمل في معنى الزمن حين يتحول إلى أداة سيادية، لا مجرد امتداد بيولوجي أو إداري.
فمنذ اللحظة الأولى، لم يقدم الملك نفسه كقائد ملهم في زمن التحولات فحسب، بل كمؤسسة تعيد تعريف علاقتها بالمجتمع من خلال رمزية مختلفة.
ولدت مفاهيم مثل “ملك الفقراء” و”الملك المواطن” من رحم الانتظارات الشعبية، ورافقها حذر ملكي من السقوط في الاستعراض، لكن روحها تسربت عمليا إلى سلوك الدولة، خصوصا في لحظات الشدة.
وقد كانت تفجيرات الدار البيضاء، في 16 ماي 2003، أول امتحان حقيقي لقدرة الدولة على الصمود أمام الكسر العنيف. فلم يكتف الملك بالإدانة، بل استشعر عمق التصدع الاجتماعي الذي غذى تلك المأساة، فخرجت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من رحم الصدمة، كإجابة عملية على الفقر والتهميش، وكترجمة لفكرة أن الأمن يبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان. لم تكن تلك المبادرة رد فعل ظرفيا، بل ميلادا لفلسفة دولة تواكب الهشاشة، لا تكتفي بمراقبتها.
وبعد عام، اهتزت الحسيمة تحت أنقاض الزلزال، فجاء التفاعل الملكي مختلفا عن النسق المتوارث. لم ينتظر الملك تقارير اللجان، بل كان أول المتبرعين من ماله الخاص لصندوق دعم الضحايا، ثم حل بالميدان، يحمل رمزية الدولة بوجه إنساني مباشر. كانت تلك الصورة، في عمقها، ترجمة صامتة لمفهوم الملك المواطن، خارج البلاغة، وداخل التجربة.
ثم جاء عام 2011، حيث بلغ التوتر الإقليمي ذروته، وخرجت أصوات 20 فبراير لتعيد رسم أسئلة الشرعية والمشاركة. فتعامل القصر مع اللحظة دون ارتباك، فكان خطاب 9 مارس محطة تحول لا تقف عند الشكل. إصلاح دستوري موسع، توزيع جديد للسلط، وتوسيع مجال الفعل المدني. لم يلغ التوتر، لكنه أدار اللحظة بميزان مغربي، لا يتماهى مع الفوضى ولا يغلق الباب على التغيير.
وفي جائحة كورونا، حين تعطلت نماذج جاهزة وترددت دول كبرى، تحركت الدولة بتوجيه ملكي سريع، معلنة إنشاء صندوق خاص، وفتحا فوريا لمسارات الدعم والتعبئة، صحيا واقتصاديا. فتجاوز المغرب بقراراته تلك اختبار الصدمة الأولى، ثم خاض سباقا جيوستراتيجيا صامتا لتأمين اللقاحات، متقدما على محيطه بأشواط، دون أن يرفع سقف الادعاء.
زلزال الحوز في 2023، بدوره، لم يفاجئ الدولة في جوهرها. ساعات قليلة بعد الكارثة، كان الملك يترأس جلسة عمل مفصلية، معلنا أن زمن البلاغات العاطفية قد انتهى. خطة تدخل دقيقة، تعبئة استثنائية، ومتابعة ميدانية للورش الإنساني والإعماري. الزيارة الملكية لاحقا لم تكن تتويجا رمزيا، بل تفعيلا مباشرا لمنطق المواكبة الذي تبنته الدولة تحت الضغط.
وما بين كل هذه المحطات، لم يقدم المغرب كقوة صاعدة ولا كنموذج ملهم، بل كدولة تعرف حدودها، وتشتغل داخل الممكن المتاح، دون أن تستسلم لما هو مفروض.
اختار المغرب أن يكون بلدا مستمرا لا منبهرا، وأن يراكم التوازنات بدل أن يوزع الوعود. وحتى حين تراجعت بعض القطاعات أو تعثرت بعض الإصلاحات، لم يلمس في أداء المؤسسة الملكية إلا حرص دائم على حماية الجوهر، الاستقرار مع التجديد، والإنصات دون استسلام.
وفي قلب هذا الزمن، ظل الملك حاضرا كضابط لإيقاع الدولة، لا كمتصدر دائم للمشهد. حافظ على المسافة الضرورية بين المبادرة والمبادلة، وراكم رصيدا من الصمت المنتج، في وقت استهلكت فيه المنطقة أصوات قادتها في الصراخ أو الهروب.
لذلك، حين نحيي الذكرى السادسة والعشرين لجلوسه على العرش، فنحن لا نحتفل بمضي الوقت، بل بقيمة إدارة الزمن حين يقترن بالحكمة. هذا ليس عهدا ورديا، ولا حكما بلا أخطاء، لكنه تجربة متأنية في جعل السيادة ممارسة يومية، لا عنوانا موروثا.


